نادية هناوي:
لم تكن المرحلة الأولى من رحلتي العلاجية باليسيرة أبدًا، بل كانت ممضة إلى حدٍّ لا يوصف، غير أن انتقالي إلى المرحلة الثانية من هذه الرحلة كشف لي أن ما توهمته ذروة الألم، لم يكن سوى تمهيد لشدة لم أعهدها من قبل. وهذا ما جعل معركتي مع المرض غير متكافئة في أحيان كثيرة. فلقد دخلت المستشفيات وأمضيت فيها أياما عصيبة، عانيت خلالها من شدة ما أنا فيه من هول معركتي المصيرية. وقد لا تكفي الكلمات كي تصف ذلك كله سواء من ناحية ما اُخضعت له من عمليات جراحية أو ما فُرض عليَّ من علاجات وفحوصات وتحاليل، أحالتني كيانا بلا قوة، فلم أعد أعرف ليلي من نهاري، حتى كأن الزمان توقف بينما العالم يواصل حركته من حولي.
وعلى الرغم من ذلك كله، فإن صدمة الإصابة بالمرض ما زالت لوحدها تفرض عليَّ الأسئلة تلو الأسئلة، باعثة حينا أجوبة مطمئنة بمستقبل من التشافي والتعافي الأكيدين انتصارا على وحش المرض؛ ومفضية حينا آخر إلى إجابات ذات إشارات متشائمة، توحي بخيبة الأمل من ناحية ما أتلقاه من جرع دوائية وما أخضع إليه من بروتوكولات علاجية، جعلت جسدي منهكا تماما.
خلال هذه المرحلة من محنتي المرضية، كان إحساسي بالدعم الإنساني يهبني بعض القوة من خلال التفاف الأهل والأصدقاء والأطباء حولي. وهذا الالتفاف هو بمثابة طوق نجاة يعيد إليَّ الثقة بنفسي ويجعلني أرى الحياة من منظار جديد ومختلف؛ فالأشياء التي كانت تبدو بالنسبة الي قبل إصابتي بالمرض غير مهمة أو ضئيلة وليس لها شأن، أصبحت الآن ذات قيمة عظيمة كمصدر للبهجة والامتنان. ولعل أهم ما أذكره في هذا المجال هو ترديد المقربين مني عبارة (كوني قوية) فكنت ما أن أدخل في دوامة المناظير الحلزونية وعمليات الأشعة وغيرها حتى تطرق هذه العبارة مسمعي طرقا، يجعلني أدرك أن ما أمر به ليس مجرد مواجهة نفسية وجسدية مع المرض، وإنما هو رحلة اكتشاف لحقائق الذات ومدى ما تتمتع به من بقايا القوة وعناصر الصمود الجسدي والثبات الروحي.
إعادة فهم الحياة
صحيح أن المرض على مضاضته وقسوته يجرد حياتنا من معناها، غير أنه يعيدنا إلى الجوهر أي إلى اللحظة التي فيها نكون قادرين على إعادة فهم الحياة؛ ففي الحياة من المباهج ما يستحق القتال وفي أرواحنا أيضا ما يربأ بيأس الفناء. وما من شك في أن المرض اختبار للروح قبل الجسد، يحمل في طياته صورتين: فهو اجتياز يتطلب مجابهة صارمة، وهو في الآن نفسه يمثل مساحة واسعة للتأمل. وقد لا أغالي إذا قلت إنه قد يصل بالتأمل إلى مستوى التفلسف من زاوية إعادة فهم الأشياء وتقييمها والتحاور الداخلي مع النفس.
وهذه بالتأكيد عملية تصالح عميقة مع الذات نتعلم من خلالها كيف ننصت لنداء الجسد وكيف نعلي روح التعافي في وجه روح الألم والتباكي. ولعلنا نتوصل إلى حقيقة أن الوجود ليس بحجم ما نملكه من صحة، وإنما بقدرتنا على منح التجربة معنى يتجاوز حدود الذات المتعبة.
وما من يوم يمر عليَّ في هذه الرحلة العلاجية إلا ويتأكد لي بالملموس أن التحدي قوة تنبع من الروح وهو أيضا قرار اتخذه فأتلمس حجم نتائجه وأهمية معطياته في المضي في خطوات العلاج الطويل بإرادة صلبة نابعة أولا من الثقة بالله تعالى، ومتأتية ثانيا من مقولة (كوني قوية). الشعار الدفاعي الذي صرت أذود به عن نفسي ضد عدوي. ومنه استمد القدرة على مداراة ضعف قدراتي ووهن أعضائي.
لقد تعلمت من هذه المرحلة أن القوة لا تعني المجابهة حسب، بل تعني أيضا أن أمضي قدما نحو استعادة التوازن في معركتي المستمرة، معيدة من خلال ذلك ترتيب أولوياتي تمسكا بالحياة وكفاحا من أجلها.
وبينما أواصل خطى التعافي، فإني أرغب أن تكون تجربتي على ضراوة محنتها وبكل ما تحمله من احتمالات الإنهاك والألم لا مجرد محنة جسدية حسب، بل أيضا تجربة يفيد منها الآخرون ـ ممن يمرون بالمكاره ذاتها – في استعادة الفاعلية واتخاذ القرار الصارم بالمواجهة الحتمية، قائلة لهم بكل يقين وثبات: إن المواجهة مع المرض قرار ومسار، يثمران عن ظفر، معه لا يمكن سلب الرغبة في العيش بقوة ويقين.
وما دامت عبارة (كوني قوية) تدوي في أسماعي، فإن كلَّ يوم يمرُّ هو انتصار جديد وحكاية تستحق الحياة. وسيظل الأمل في حب الحياة والتفاؤل بالمستقبل نتاجا من نتاجات قوة الإيمان بالله والصمود في استكشاف إرادة الذات بوجه التحديات والمنغصات.
لقد علمتني رحلتي العلاجية الثانية أنَّ الروح حين تتسلح بالإيمان والأمل وتستند إلى الدعم الإنساني الصادق ستكون أقوى من كل شيء. ولهذا أتشبث كل التشبث بمقولة (كوني قوية) فهي بوصلتي في عتمة الدرب الطويل.. نعم سأكون قوية ليس فقط لأنتصر على عدوي وإنما أيضا من أجل الحياة التي تستحق أن تحب، ولأجل الأمل الذي أبصره في غدي الآتي.
*كاتبة من العر اق

