فيلم «مارتي سوبريم»… حين تتحول الحياة إلى مباراة بلا صافرة نهاية.

 في أفلام جوش صفدي، لا يبدو البطل بطلاً بالمعنى التقليدي للكلمة. هو أقرب إلى كائن قَلِق، مندفع، يركض دائماً نحو شيء لا يعرفه تماماً، لكنه من متيقّن إنه إن توقّف سيسقط. في أحدث أفلامه «مارتي سوبريم» Marty Supreme، يبلغ هذا الهوس ذروته، لا لأن الفيلم أكثر صخباً من أعماله السابقة، بل لأنه أكثر تركيزاً على الداخل: على الشخصية بوصفها ساحة صراع كاملة، لا مجرد محرك للحبكة.
«مارتي سوبريم»، الذي يلعب دوره تيموتيه شالاميه، في أداء مميز، ليس أسطورة رياضية جاهزة، ولا بطلاً شعبياً يُصاغ وفق قالب الارتقاء من القاع إلى القمة. مارتي هو مغامر مقامر، لاعب تنس طاولة موهوب، نصّاب صغير، واثق بنفسه إلى حد الوقاحة، هشّ إلى حد الانكسار. شخصية تبدو، منذ اللقطة الأولى، وكأنها تسبق الفيلم نفسه بخطوة: يتكلم بسرعة، يتحرك بسرعة، يفكر بسرعة، ويخدع الجميع، وربما نفسه، بالسرعة ذاتها. هنا، يلتقط صفدي جوهر شخصيته الأساسية: رجل يعيش على الحافة لأنه لا يعرف كيف يعيش في المنتصف.
الفيلم، المستوحى بشكل حر من حياة لاعب تنس الطاولة الأمريكي مارتي رايزمان، لا يهتم كثيراً بالدقة التاريخية بقدر ما يهتم بالحالة النفسية. صفدي لا يصنع سيرة ذاتية، بل بورتريهاً نفسياً لشخص لا يستطيع التوقف عن إثبات نفسه.
لعبة تنس الطاولة، بكل سرعتها، وارتداد الكرة المفاجئ، وتحولات الإيقاع الحادة، تصبح استعارة دقيقة لشخصية مارتي: ضربة، ردّ، خدعة، ثم اندفاع جديد.
«مارتي سوبريم»، كما يقدّمه الفيلم، رجل يعرف كيف يبيع الوهم. يبيع وهم السيطرة، وهم العبقرية الفطرية، وهم أنه دائماً الأذكى والأفضل والأكفأ. لكنه في العمق أسير هذا الوهم نفسه. كل مباراة، كل رهان، كل حوار، هو محاولة جديدة لتثبيت صورة ذاتية يخشى أن تنهار، إن تركها لحظة دون أن يؤكدها قولاً وفعلاً. في هذا المعنى، الفيلم ليس عن الرياضة، بل عن الإدمان: إدمان الانتصار، إدمان المخاطرة، وإدمان أن تكون مرئياً. هنا، يصبح من الصعب عدم استحضار «جواهر غير مصقولة» ، الفيلم الذي شكّل إحدى الذرى الأسلوبية في سينما جوش صفدي، بالمشاركة مع أخيه بيتي صفدي، وبطله هوارد راتنر (آدم ساندلر)، ذلك المقامر الذي كان يطارد الفوز كما لو كان طوق نجاة.
المقارنة ليست شكلية ولا قائمة على تشابه السلوك فقط، بل على بنية الشخصية ذاتها: رجل يقيس قيمته بمدى قدرته على المخاطرة، وعلى تحويل كل لحظة عادية إلى رهان وجودي. مثل هوارد، يعيش «مارتي سوبريم» في حالة استنفار دائم، كأن جسده لا يعرف الهدوء أو الاستقرار في مكان.
لكن الفارق الجوهري بين الشخصيتين يكمن في الوهم الذي يحرك كل واحدة منهما. هوارد راتنر كان أسير وهم الصفقة الكبرى، التي ستغيّر كل شيء دفعة واحدة، ضربة حظ أخيرة تُعيد ترتيب العالم لصالحه.
مارتي، في المقابل، لا ينتظر ضربة واحدة حاسمة، بل يعيش في سلسلة لا تنتهي من الانتصارات الصغيرة، الضربات السريعة، والحيل الذكية. هو لا يراهن على المستقبل، بل على اللحظة نفسها. وإذا كان هوارد يهرب إلى الأمام خوفاً من الانهيار، فإن مارتي يهرب لأنه لا يعرف شكلاً آخر للحياة. هذه المقارنة تضيء تطور نظرة جوش صفدي إلى شخصياته الذكورية المأزومة. في «جواهر غير مصقولة»، كان الضغط خارجيّاً إلى حد كبير: ديون، مافيا، عائلة، مدينة تلتهم بطلها. أما في «مارتي سوبريم»، فيصبح الضغط أكثر داخلية، أكثر تجريداً. الخصم الحقيقي ليس الآخرين، بل الحاجة المرضية إلى الاستمرار في اللعب. وكأن صفدي انتقل من تصوير رجل تطارده الفوضى، إلى رجل يصنع فوضاه بنفسه، ثم يختبئ داخلها.

أداء تيموتيه شالاميه، الذي يحمل الفيلم على كتفيه، لا يعتمد على التحول الجسدي بقدر ما يعتمد على الإيقاع الداخلي. شالاميه لا يلعب مارتي بهدوء، ولا يُجسده في لحظات تأمل طويلة. حتى عندما يجلس، يبدو وكأنه يستعد للقفز. نظراته سريعة، صوته متوتر، ضحكته أحياناً أعلى من اللازم. هذا الفائض في الحركة ليس زينة تمثيلية، بل جزء من البناء النفسي للشخصية. كأن مارتي يخشى الصمت، لأن الصمت قد يكشف فراغاً لا يريد الاعتراف به.
جوش صفدي، المعروف بهوسه بالشخصيات الواقعة تحت الضغط، يجد في مارتي مادة مثالية. الكاميرا قريبة دائماً، لاصقة بالوجوه، متربصة بالتفاصيل الصغيرة: قطرة عرق، رمشة عين، تردد لحظة قبل ضربة حاسمة. لا يمنح الفيلم المشاهد استراحة، وكأن الفيلم نفسه يعاني من القلق ذاته الذي يعانيه بطله. هذه ليست صدفة أسلوبية، بل خيار واعٍ: نحن لا نراقب مارتي من الخارج، بل نُسحب إلى داخله. العلاقات في الفيلم ليست علاقات دعم أو احتواء. كل شخص يقابله مارتي هو إما خصم محتمل، أو أداة، أو مرآة مشوهة لذاته. لا توجد رومانسية تقليدية، ولا صداقة مستقرة، حتى اللحظات التي توحي بقرب إنساني سرعان ما تُقوّضها مصلحة، رهان، أو خوف من الخسارة. مارتي لا يعرف كيف يكون مع الآخر دون أن يحوّل العلاقة إلى مباراة. ومع ذلك، لا يتعامل الفيلم مع شخصيته الرئيسية بقسوة أخلاقية. صفدي لا يدين مارتي، ولا يمجّده، بل يتركه معلقاً في منطقة رمادية، حيث يمكن للمشاهد أن ينفر منه، بقدر ما يمكن أن يتعاطف معه. هذا التعاطف لا يأتي من كونه ضحية، بل من كونه إنساناً مأزوماً، يقترف أخطاءه بيديه، ثم يركض هارباً من نتائجها.
اللافت في «مارتي سوبريم» أن النجاح، حين يأتي، لا يُصوَّر كنقطة خلاص. الانتصارات لا تمنح مارتي سلاماً، بل ترفع سقف التوتر. كل فوز يطالبه بالمزيد، وكل قمة يصلها تكشف عن فراغ أعمق تحتها. الفيلم هنا ذكي في تفكيك أسطورة «الحلم الأمريكي»، مقدّماً إياها كدوامة لا كحلم متحقق. مارتي لا يريد الاكتفاء، لأنه لا يعرف ما سيكون دون الصراع.
في المشاهد الأخيرة، لا يبحث الفيلم عن خاتمة مُرضية. لا يقدم الفيلم درسا أخلاقياً واضحاً، ولا قوساً درامياً مغلقاً بإحكام. مارتي يبقى مارتي: نسخة معدّلة قليلاً، ربما أكثر وعياً، لكن غير متصالحة تماماً. وهذا بالضبط ما يجعل الشخصية مقنعة. الحياة، كما نراها في الفيلم، لا تصل إلى استقرار مقنع، بل تُدار، أحياناً بمهارة، وأحياناً بخسارة فادحة. «مارتي سوبريم» فيلم عن رجل يركض ركضاً لاهثاً، وعن مجتمع يكافئ هذا الركض حتى ينهار العدّاء. جوش صفدي لا يقدّم بورتريهاً مريحاً، بل تجربة مشحونة، متعبة، ومغرية في آن. شخصية مارتي سوبريم، بكل تناقضاتها، تبقى عالقة في الذهن، لا لأنها ملهمة، بل لأنها صادقة في قلقها، وفي عجزها عن التوقف. «مارتي سوبريم» ليس فيلماً عن تنس الطاولة، ولا عن الرياضة، ولا حتى عن النجاح. إنه فيلم عن رجل يعتقد أن الحياة مباراة لا تنتهي، وأن التوقف يعني الخسارة. وربما، في مكان ما بين ضربة وأخرى، يدرك، دون أن يعترف، أن الخسارة الحقيقية هي أن يظل يلعب إلى الأبد.

 

Share
  • Link copied
المقال التالي