تقديم موجز لكتاب “البلاغة والسياسة: سلطة الخطاب وخطاب السلطة”.

ترجمة: عبد القادر ملوك:

     منذ ظهورها خلال القرن الخامس قبل الميلاد بسيراكوزة، وفق ما ذهب إليه رولان بارت في “البلاغة القديمة”، لم يثبت وضعُ البلاغة على حال، ولم يُحسم في حدود مجال اشتغالها ولا في السجال الدائر حول ما إذا كانت فنا نبيلا مرغوبا “يُرَوِّض انفعالات الشعوب، وينتصر على ارْتيابات القُضاة، وَيُخَلخل حَزْمَ مَجْلس الشُّيوخ” مثلما وسمها شيشرون، أم هي فن للمخادعة والتعتيم والتطويع الماكر الذي يستهدف استغلال النوايا الحسنة لمن يتوجه إليهم؛ بل ظلت على مدار تاريخها مثار أخذ ورد يَعْكِسه مسارُها المتموج الذي عاشت خلاله لحظات مفارِقة تراوحت بين الانكماش والاحتضار أحيانًا والانتعاش والانتشاء أحيانًا أخرى.

واليوم تشهد البلاغة واحدا من التحولات الأكثر دلالة في مسار تطورها، استعادت فيه عافيتها وديناميتها، وأصبح حضورها مكثفا والطلب عليها كبيرا ومتزايدا في مختلف المجالات لاسيما في هذا العصر الذي يعرف أفرادُه نزوعًا كبيرا نحو الخطاب الإقناعي الذي من بين صُوره: الدعاية، والإشهار، والإعلام، والسياسة وغيرها. وهذا الانبعاث الجديد، الذي رصد المؤلف أسبابَه في ثنايا كتابه هذا، هو نتاج لتضافر مجموعة من العوامل منها ما هو نظري صرف تَمَثل في ارتفاع وتيرة البحث في مجال السيمياء النصية، وظهور تيار ما بعد الحداثة، فضلا عن التوسع الدال الذي عرفه مفهوم العقلانية؛ ومنها ما هو عملي ارتبط بمشكلة الفاعلية الخِطابية وما تمخض عنها من نقاش أكسب البحث حول الخطاب نفَسا جديدا وجَعَلَ وُكْدَ الباحثين ومُرادَهم أن يضعوا أيديهم على الميكانيزمات الكفيلة بجعله خطابا ذا سلطة وقدرة على تحقيق الإقناع، بل وفي مُكنته إحداث أثر في نفوس من يُوَجَّه إليهم فيحملهم على الاستجابة له بسلاسة ودون مقاومة. وفي هذا تختلف البلاغة عن النحو، كما لا يخفى على ذوي الاختصاص، حيث يُعنى هذا الأخير “باستخراج مبادئ اللغة ونُظمها استنادا إلى الاستعمال المشترك أو ما يُظن أنه استعمال مشترك، وغايته القصوى حماية اللغة من الفساد والحرص على أن تُواصل أداء وظيفتها الأصلية [المتمثلة في] الإبلاغ”([1])، بينما تكمن وظيفة البلاغة “في وصف الطرق الخاصة في استعمال اللغة وتصنيف الأساليب بحسب تَمَكنها في التعبير عن الغرض تعبيرا يتجاوز الإبلاغ إلى التأثير في المتكلم أو إقناعه بما نقول أو إشراكه في ما نحس به، وغايتها مد المستعمل بما تعتبره أنجع طريقة في بلوغ المقاصد”([2])،أو لِنَقُل وفق تعبير تيري إيجلتون أن البلاغة هي “التي تهتم بأنواع الآثار التي ينتجها الخطاب وكيف يتوسل إلى إنتاجها”([3])

وتبعا لذلك، فإنه ليس يكفي المرء أن يكون على دراية متينة بقواعد النحو وشروط الكتابة الصحيحة لكي يمتلك ناصية القول الفني المقنع “ولو كانت الكتابة الجيدة [والقول الجيد عموما شفهيا كان أو مكتوبا] تكفي فيها قواعد علوم اللغة لاستطاع كلٌّ مِنَّا كتابة الروائع الأدبية، التي نقرؤها لعظماء الكتاب”([4])  تماما كما لا يكفي في فن التصوير مثلا أن يتمكن المُقْبل عليه من قواعد درس التخطيط والتلوين لكي يتمكن من رسم لوحة جميلة. فالإقناع بالقول وما يترتب عنه من حَمْلِ الآخرين على تبني موقف معين أو ثَنْيِهم عنه، أو إيقاظ ردّ فعلٍ كامن لديهم أو إخماد رد فعل قائم، نرى نتائجه ونغفل عن المراحل التي يقطعها قبل أن يستوي أثرًا يٌقرأ، إن كان مكتوبا، أو يُسمع، إن كان منطوقا. وهذه المراحل يُجمع الباحثون على حصرها في ثلاث، أولها الإيجاد وهو يعني جملة الأفكار والآراء والمعاني التي أوجدها الكاتب إما مِن عِنْدِه أو جمعها من غيره جاعلا منها المادة الصالحة لموضوعه؛ وثانيها الترتيب وهو يعني النظام الذي ارتآه لأفكاره لكي يجعلها جليَّة مفهومة خالية من الغموض لا اختلال فيها ولا اضطراب؛ وثالثها التعبير والمقصود به الصورة التي سيخرج بها العمل، والتي يدخل فيها تخيُّر الألفاظ والكلمات المناسبة لحمل المعاني والتأليف بينها وفق طريقة معينة واصطفاء العبارات المنمقة أو الغانية الساذجة وغير ذلك([5]). وهي في مجملها خطوات لا غنى عنها لكل من يشتغل بفن القول حتى لو كان كاتبا “ملهما” أو شاعرا “مفلقا” أو غيرهما ممن يسحروننا بالقول ويخلبون ألبابنا فنعتقد أنهم إنما أوتوا وحيا أو إلهاما لا قِبَل لغيرهم به، وما الأمر على الحقيقة سوى صنعة أو فن يقوم على الدربة والمراس تختلف الخطوات المفضية إليه شكلا وزمنا بين المبتدئ المتهيب والمتمرس المتدرب، وقد أطْلَعنا الجاحظ قديما على أن “مِنْ شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتا وزمنا طويلا، يردد فيها نظره ويجيل فيها عقله، ويقلب فيها رأيه اتهاما لعقله وتتبعا على نفسه؛ فيجعل عقله زماما على رأيه، ورأيه عيارا على شعره، إشفاقا على أدبه، وإحرازا لما خوله الله تعالى من نعمته”([6]) وقس على ذلك منثور الكلام.

ولما كان امتلاك فن القول يُقاس بفاعليته ونجاعته في وضعيات مخصوصة وبالأثر الذي يحدثه في من كانوا يقصدون به، مثلما أسلفنا القول، فإنه لا يتوقف على واضع الخطاب وحده، بل يشاركه فيه من ينازعه الوضع، ونعني به الفئة المستهدفة بالخطاب، والتي كَثُر تنصيص الكتاب، قدماء ومُحْدثين، على ضرورة معرفة طباع أفرادها وظروفهم وأحوالهم النفسية والاجتماعية ومكانتهم العلمية وغيرها من الأمور حتى يتسنى للمخاطِب بناء خطابه على مقاسها تحقيقا للإقناع المرغوب؛ فهذا ابن رشيق يرى في المتكلم البليغ “من ينظر في أحوال المخاطبين؛ فيقصد محابَّهم، ويميل إلى شهواتهم وإن خالفت شهوته، ويتفقد ما يكرهون سماعه فيجتنب ذكره”([7])، واضعا في الحسبان أن “نجاعة الخطاب وفعله في المخاطب رهينان باستحضار المتكلم لطبيعة المستمعين ومواقفهم وظروفهم (…) فالقول المقنع لا يكون غفلا بل حاملا لانتظارات المتلقين”([8])؛  وألزم بشر بن المعتمر، على لسان الجاحظ، المتكلم بأن “يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما، ولكل حالة من ذلك مقاما، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات”([9]).

رؤى قرآنية في التجديد والسياسة والعمران «المشترك» ونهاية المنبت:

 ولم يقف الأمر عند مراعاة الخطيب لأحوال المخاطبين النفسية والاجتماعية وغيرها، حتى لا يخالف مضمون خطابه مداركهم، بل تعداه إلى مراعاة لغة الخطاب، وذلك بالاجتهاد في اصطفاء الألفاظ المناسبة والعبارات الكفيلة بتحقيق المراد، واشترطوا فيها أن تكون ملائمة للقدرات الاستيعابية للمخاطبين لأن اللفظ “إذا صيغ بصورة خشنة المسلك، فإن استعماله وفهمه سوف يكونان من نصيب فئة مخصوصة أو قل محظوظة، وليس للجمهور الواسع من سبيل إليها، وكل لفظ لا يستوي في ظاهر استخدامه ولا في أول إدراكه الخاصي والعامي، فهو قمين بأن تتطرق إليه أسباب البعد والإشكال والصعوبة” ([10])

 والتاريخ يشهد على ما حققه من مآرب وما ظفر به من مكاسب أولائك الذين عرفوا كيف يوظفون فن القول بإحكام، بعد أن اطّلعوا على خبايا قلوب مستمعيهم، وتعرفوا على ما يحبون وما يكرهون، ودرسوا المبادئ التي بها يُسَلّمون، فجعلوهم ينشرحون لأفكارهم ويهتزون لها وترتاح أنفسهم لها وتطرب، ولنا في السوفسطائيين خير مثال على ذلك؛ فقد لمسوا اشتداد الطلب في المدن الإغريقية على فن الخطابة إما لتعضيد هذا الرأي ضد ذاك، أو لكسب أصوات الناس والظفر بمناصب في تراتبية السلطة السياسية، وأحيانا لتحقيق الغلبة في النقاشات/ المحاورات التي كانت تستهوي سكان أثينا بالخصوص، فراحوا يعلمونه للراغبين بأثمنة فاقت الخيال؛ ولم يختلف الأمر عن ذلك في جاهلية العرب، حيث كانت الإجادة القولية والتفوق الفني غاية ما تنشده الناشئة التماسا للفلج والغلبة، وحتى في فترة الإسلام بقي لفن القول والقدرة البلاغية دور ريادي في الدعوة الدينية كما في النضال الدنيوي، بل إننا لا نأتي أمرا فريًّا حين نذهب إلى أن معجزة الدعوة الإسلامية كانت فنا قوليا بالخصوص، وصنيعا أدبيا، هو القرآن([11]).

وليس مستغربا، بعد الذي ذكرنا، أن يكثر الطلب على البلاغة من مختلف المجالات، وأن تنسج صلة وثقى مع مختلف النطاقات حتى صار “لكل خطاب بلاغته، ذلك أن لا علم يستطيع أن يستغني عن البلاغة باعتبارها أداة الفهم والإفهام وأداة التأثير والاستمالة”([12])، وإن كان ما تُحْدثه من أثر تختلف حدته باختلاف المجالات وتباين نطاقات اشتغالها،  فليس مجال الخطاب العلمي مثل مجال الخطاب الفلسفي، ولا مجال الخطاب الشرعي شبيها بمجال الخطاب السياسي، ولا مجال الخطاب الإعلامي بمطابق لمجال الخطاب الإشهاري وقس على ذلك نظائره، فالبلاغة من هذا الجانب أشبه ما تكون بالطب، فهي تقنية تقدم الوسائل المناسبة للإقناع في كل حالة على حدة، تماما كما يقدم الطب وسائل العلاج في كل حالة مرضية على حدة ([13]).

والكتاب الذي نحن بصدد تقديمه للقارئ الكريم، والذي ألّفه البروفسور كونستانتين سالافاسترو (Constantin Sălăvăstru) أستاذ الفلسفة بجامعة إياسي برومانيا، يَعرض لعلاقة البلاغة، كفن للقول، بمجال مخصوص هو مجال الخطاب السياسي الذي ترتهن فاعليته، سواء أكان مباشرا أم غير مباشر، صريحا أم ضمنيا، بالتحكم في زمام طُرُق القول المقبولة عموما والتي تُؤَمن للسلطة مشروعيتها.

وقد أمكن للمؤلف أن يُطْلعنا على بعض الأسباب التي تفسر هذا الجمع بين البلاغة والسياسة؛ حيث اعتبر أن السياسة بما هي فن توزيع وتنظيم وتدبير علاقات السلطة داخل المجتمع، تبدو بمثابة مجال مفتوح يتيح للإنسان استعراض قدراته الخطابية في حل المشكلات التي تتمخض عن العيش المشترك للأفراد وما يُسْفر عنه تداخل حرياتهم وتقاطع مصالحهم المتبادلة، كما تسعفه في الإدلاء بدلوه في المناقشات العمومية إما دعما أو دحضا لفكرة تستأثر باهتمام الجماعة، فضلا عن أن امتلاك ناصية فن القول يعد طريقا للارتقاء إلى المناصب المرموقة في تراتبية السلطة؛ لهذا يمكننا القول بأن هذا الفن، الذي يُعنى بضبط قواعد بناء الخطاب المُحكم، قد وجد في السياسة ما كان يعوزه لتحديد نطاق اشتغاله: توظيف حجج متنوعة بحسب السياق والجمهور المستهدف، واعتماد تقنيات فعالة لتنظيم هذه الحجج لضمان أقصى حد من النجاعة، وتفادي الأخطاء الممكنة (المغالطات) التي تشكل عقبات أمام بناء حجاجي جيد، وغيرها.

وعموما يمكننا أن نرصد لهذا التواطؤ الذي عرفه تاريخ البشرية بين البلاغة والسياسة منحيين اثنين؛ منحى إيجابيا اعتُمدت فيه البلاغة كأداة فعالة للدفاع عن مصالح الشعوب والفئات المستضعفة إجمالا، والتصدي في المقابل للجوانب السلبية التي تنطوي عليها ممارسة السياسيين لوظائفهم؛ ومنحى سلبيا تَمثل في اتخاذها مطية لتحقيق مآرب سياسية أو اجتماعية بغير وجه حق، أو توظيفها أداة للتلبيس والتغليط  كانت لها خطورتها على مصير الأفراد والشعوب؛ مثلما حدث مع سقراط، فيلسوف اليونان القديمة الكبير، الذي تسببت بلاغة ماكرة في موته دونما سبب مقنع، ولا شك أن العالم لا يزال يتذكر كيف هيأت أساليب الدعاية المُحكمة، القائمة على الإقناع والإثارة، الشروط الأساسية والأجواء الملائمة التي مكنت الأنظمة الكليانية اليمينية واليسارية على حد سواء من تثبيت نفسها في الحكم وتعزيز سلطتها على الرغم من مثالبها العديدة، التي من أبرز تجلياتها وأد الديمقراطية، وخنق حرية الإنسان وحرمانه من أبرز حقوقه، فضلا عن الزج به في حروب ذاق ويلاتها دون أن يقف على مسوغاتها وأسبابها.

ومع ذلك لا ينبغي أن يفوتنا أن الذنب لا يقع على البلاغة في ما ترتب أو يمكن أن يترتب عن توظيفها من نتائج قد تكون عظيمة الضرر سواء على الأفراد أم على المجتمعات، لأنها مجرد أداة نظرية تضع بين أيدي أولئك الذين يهتمون ببناء الخطاب الوسائل التي من شأنها أن تساعدهم على النجاح في علاقاتهم الخِطابية مع الآخرين، بل الوزر كل الوزر يقع على عاتق من يوظفون هذه البلاغة لتحقيق مآرب غير مشروعة ولا أخلاقية.

فهؤلاء، أي هذه الفئة من السياسيين ومَن يسير في ركبهم، هم من يجعلون من سلطة الخطاب خطابا للسلطة، ويُسَخرون البلاغة لاستمالة الجموع والتأثير عليهم بالإفضاء إليهم بمشاعر الرهبة والرغبة والغضب، وكل ما له صلة بتنويم عقولهم وإيقاظ عواطفهم، فيتحولون إلى ذوات مستلبة لا حول لهم ولا رأي، مادامت الحرية تفقد معناها أمام العاطفة المشبوبة كما جاء على لسان سارتر. وقد خصص صاحب الكتاب جانبا من الفصل الثاني أبرز فيه دور المغالطات في الخطاب السياسي، أتبعها بدراسة تطبيقية رصد خلالها المسالك والسبل التي ينتهجها مُمتهنو السياسة في تطويع الشعوب واستمالتهم.

إجمالا، وحتى لا نطيل الكلام في قضايا وردت مفصلة في ثنايا الكتاب، نشير إلى أن المشترك بين البلاغة، كفن للقول، والسياسة، يتمثل في تحقيق الخطاب للفاعلية التي ترتهن باستحضاره لثلاثة أبعاد في بنائه: أولها، احترامه لقواعد الصحة العقلانية وهي جملة المبادئ التي يستند إليها الخطاب في بناء مضامينه وتأمين صحتها وصدقها؛ وثانيها، عرضه لموضوعات تهم الطرف المخاطَب، والمقصود بها جملة الأفكار التي يعمل على تمريرها، والتي يتعلق جانب التأثير فيها إما بعمق الفكرة التي يطرحها الخطيب، أو بطريقته في ربط فكرته بأفكار أخرى؛ أو بالظرفية المفاجئة التي طُرحت فيها الفكرة؛ وثالثا، تقديمها في حلة تعبيرية شائقة وجذابة تستهوي المتلقي وتَطرَب لها نفسه، فقد ثبت أن “الأسلوب الذي يُقَدَّم به الخطاب السياسي، بمعنى رداؤه البلاغي، يُحْدث أثرا غير قليل على الجانب العاطفي لشخصية المتلقي؛ يُعْزى في جانب كبير منه إلى اللغة المجازية التي يوظفها هذا الخطاب والتي تضفي على المداخلة الخِطابية جمالية  تتجاوز بها نطاق العادي والمبتذل، مُحْدِثة صدمة معرفية للمتلقي تدفعه إلى الإذعان لما يتلقاه”.

وبَدهي أننا نتحدث هنا عما ينبغي أن يكون، أي أننا أمام نموذج مثالي لفاعلية الخطاب السياسي، لأن المداخلات السياسية غالبا ما تستجيب، في الواقع، لطبيعة المقام السائد؛ فيتم أحيانا التشديد على البعد العقلاني، وأحيانا أخرى على البعد الموضوعاتي، أو على البعد التعبيري.

عموما يمكن القول إن هذا الكتاب الذي نضعه بين يدي القارئ، مدارُه كله على رصد طبيعة العلاقة التي تربط البلاغة بالسياسة، أو لنقُل بتعبير آخر إنه يسلط الضوء على الكيفية أو الكيفيات التي توظِّف بها السياسة سلطة الخطاب لخدمة خطاب السلطة الذي هو خطابها. وأما المعالم الكبرى لمضمون الكتاب فقد تمت هندستها وفق التقسيم التالي:

خصص الكاتب القسم الأول من دراسته للبحث في مفهوم البلاغة، واقفا عند التحولات التي شابت مساره والتموجات التي طبعت تاريخه قبل أن يستعيد عافيته وديناميكيته، فيصبح حضوره مكثفا والطلب عليه كبيرا ومتزايدا في مختلف المجالات لاسيما في هذا العصر الذي يَعرف أفرادُه نزوعًا كبيرا نحو الخطاب الإقناعي.

وبعدما انتهى من تحديد مفهوم البلاغة وضبط ماهيته وعرض ميكانيزمات توظيفه التوظيف الأمثل، انتقل المؤلف في القسم الثاني من الكتاب للحديث عن مفهوم السياسة، فجعل حديثه هذا موزعا على ثلاثة محاور تناول كل واحد منها جانبا من جوانب هذا المفهوم؛ أما المحور الأول فقد خصصه لتقديم تأويل منطقي (نقصد تأويلا يمتح من المنطق كمبحث) لعلاقة السلطة بالخطاب، فوقف عند الطابع العلائقي للسلطة وبيَّن صلة السلطة بالسلطان/ الفاعلية، ثم قام بتحليل نمط اشتغال السلطة داخل المجتمعات باعتماد الأداة المنهجية المتمثلة في منطق العلاقات (الانعكاس، التناظر، الاقتران، والتعْدية) فأسفر ذلك عن نتائج مهمة أوقفتنا على الكيفيات التي  تتمظهر بها السلطة داخل المجال السياسي.

أما المحور الثاني فخصصه لإبراز دور المغالطات في الخطاب السياسي؛ وقد استهله بتحديد مفهوم التطويع، ورصد أشكاله، ووقف على مسالك التطويع الخِطابي بالخصوص، متوسلا في ذلك بالمقاربة التداولية الجدلية حول المغالطات، ثم ختم حديثه النظري بدراسة حالةٍ، كشف فيها النقاب عن بعض صور وملامح حضور المغالطات في الخطاب السياسي.

في حين أفرد المحور الثالث والأخير من الكتاب لتسليط الضوء على أحد تجليات ارتباط البلاغة بالسياسة، في صورةِ دراسةٍ امتزج فيها التنظير بالتطبيق، انبرى فيها للحديث عن حضور المواضيع الشعبوية المُحدثة في الخطاب السياسي الروماني بشكل خاص. وما يلفت انتباه القارئ في هذا المحور أن ما عرضه سالافاسترو لا يختلف كثيرا، أو قل إنه لا يختلف البتة، عما نعثر عليه في الخطابات السياسية لمعظم الدول لاسيما تلك التي لا تحضر فيها الديمقراطية إلا كشعار أو كصورة لتلميع الواجهة أو لا تحضر أبدا.

صفوة القول، إن هذا الكتاب الذي نضعه بين أيدي القارئ العربي يُعد ذا فائدة كبيرة في وقتنا الراهن بفعل تناوله لموضوع لا جدال في أنه يتسم بالجدة والطرافة في آن، فالقول المقنع كما أطلعَنا على ذلك بروتاغوراس منذ القديم طاغية لا يقاوَم، ولا ريب أن ارتباطه بمجال مثل مجال السياسة، التي تعد المحرك الفعلي للمجتمعات، سيجعل مقاومة الشعوب له تضعف أكثر فأكثر، إذا هم لم يتفطنوا للكيفية التي تحاك بها فنون القول في مجال السياسة ولم يطّلعوا على بعض جوانب العلاقة التي تجمع بين سلطة الخطاب وخطاب السلطة، أو إذا ما فاتهم أن يقفوا على الكيفيات الواعية والمدروسة التي تُستعمل بها اللغة لتحقيق مقاصد صاحب الخطاب. وما عمدنا إلى ترجمة هذا الكتاب إلا لكي نمكن القارئ الكريم من إدراك بعض أساليب توظيف الخطاب السياسي للبلاغة، والتي تجعل له سلطانا على النفوس يفوق بكثير ما يتحقق لغيره من الخطابات الأخرى.

هوامش :

([1]) حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب أسسه وتطوره إلى القرن السادس، منشورات الجامعة التونسية، السلسلة السادسة: الفلسفة والآداب، مجلد عدد 21، 1981 ص 47.

([2])   المصدر نفسه، ص 47.

([3]) أورده الدكتور محمد العمري في : “الحجاج مبحث بلاغي، فما البلاغة؟”، ضمن الحجاج مفهومه ومجالاته، الجزء الأول، إعداد حافظ إسماعيلي علوي، عالم الكتب الحديث، الأردن، 2010، ص20-21.

([4]) أمين الخولي، فن القول، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1996، ص 87.

([5]) المصدر نفسه، ص 98.

([6]) أبو عثمان الجاحظ، البيان والتبيين، الجزء الثاني، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة السابعة، 1998، ص 9.

([7]) الحسن بنرشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر، وآدابه، ونقده، الجزء الأول، تحقيق وتعليق محمد محي الدين بنعبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط5، 1981، ص 223.

([8]) ورد ضمن: حسن المودن، “دور المخاطب في إنتاج الخطاب الحجاجي”، ضمن: الحجاج مفهومه ومجالاته، الجزء الأول، مصدر مذكور، ص: 242.

([9]) أبو عثمان الجاحظ، البيان والتبيين، الجزء الأول، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة السابعة، 1998، ص: 138- 139.

([10]) طه عبد الرحمان، اللسان والميزان أو في التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، ط 3، 2013، ص 340.

([11]) أمين الخولي، فن القول، ص 120.

([12]) محمد العمري، “الحجاج مبحث بلاغي، فما البلاغة؟”، ص22.

([13]) انظر: محمد العمري، “الحجاج مبحث بلاغي، فما البلاغة؟”، ص 26.

تأليف: د.كونستانتين سالافاسترو

Share
  • Link copied
المقال التالي