الشاعرة تاوݣرات ولت عيسى: أيقونة المقاومة التي استشهدت في معركة ” تازيزاوت” سنة 1932

دة/فائزة جمالي:

إلـى  الأرواح الطاهرة لكل شهداء معركة تازيزاوت (تونفيت)  الذين سقطوا جرّاء العدوان الفرنسي الغاشم ما بين غشت وشتنبر 1932

1-   من هي تاوݣرات ولت عيسى ؟

هي شاعرة من آيت عيسى بقبيلة آيت سخمان الأمازيغية المعروفة بمقاومتها الشرسة للاستعمار الفرنسي،فقدت أعز ما يملك الإنسان وهي طفلة صغيرة : والديها وبصرها بسبب انتشار الأمراض والأوبئة خلال مغرب القرن 19.عاشت وحيدة بدون زوج ولا أبناء.لكن بفضل شعريتها الفذة التي تفتقت منذ نعومة أظافرها أصبحت شاعرتنا محبوبة لدى جميع أفراد القبيلة.كانت تحظى بالاحترام والتقدير من قبل الأعيان والعامة.احترفت الشعر منذ صغرها وفرضت شخصيتها الفنية والقوية في الأعراس ومختلف المناسبات. وتربعت على عرش الشعرية الأمازيغية : إيزلي و تماويات و تايفارت مند سن مبكرة.

  لا نعلم تاريخ ميلادها،ولكن الراجح أنها ولدت خلال المنتصف الثاني من القرن 19.وقد أخبرنا الضابط والمستمزغ الفرنسي فرانصوا رينيي Francois Reniers بأنها كانت خلال معركة تازيزات (1932) عجوزا .

2-   تاوݣرات ولت عيسى : من شاعرة القبيلة إلى شاعرة المقاومة المغربية بامتياز

 الحديث عن هذه الشاعرة الفحلة يقودنا حتما إلى الحديث عن المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي،حيث وثق شعرها مرحلة المقاومة منذ 1908 إلى 1932 تاريخ استشهادها في معركة تازيزاوت بمنطقة تونفيت في الأطلس الكبير الشرقي بعد أن رفضت الاستسلام .دخلت الشاعرة تاوݣرات ولت عيسى أرشيف التاريخ الاستعماري الفرنسي للمغرب منذ أن دخول جيش الاحتلال منطقة الشاوية سنة 2008.بعد أن كانت شهرتها لا تتجاوز حدود قبيلتها(آيت سخمان) بوصفها شاعرة تنشد قصائد تمدح القبيلة و تتحدث عن الحب والقيم ، لتتحول فيما بعد إلى شاعرة المقامة بامتياز.تفتق لديها وازع الدفاع عن البلاد ضد أرومي منذ بداية توغل فرنسا الاستعمارية في  الشاوية ووجدة . وقد سجل العلامة محمد شفيق بداية وعيها الوطني منذ أن أنشدت أول بيت شعري له صلة بالمقاومة المسلحة .وذلك حينما هجت رجلا أسودا وافدا على قبيلتها كان يشتغل “أمزيل” حدادا ونعّالا للخيل.حدث أن سمع هذا الأخير عزم فرسان من آيت سخمان الذهاب إلى الشاوية للقتال ضد القوات الاستعمارية فتجرأ على مرافقتهم إلى المعركة.لمّا التقى المقاومون المغاربة بالجيش الفرنسي هرب من المعركة بعد أن سقط من فرسه.وكان اسم هذا الوافد على القبيلة هو” موحا والرّيبان”.وبسبب هذه المهزلة والذل الذي جلبه للقبيلة أنشدت تاوݣرات تماوايت ( مقطوعة شعرية قصيرة)تهجوه قائلة :

                      يا قيْنٌ، ياموحا والرّيبان      لمّا أُرديَ من تحتك الأشهب

                                 منْ ذا الذي عاد لخلع السرج عنه          

                          لولا “واسو” ومنْ لزموا خلفك ساحة القتال

وعندما سمع موحى والرّيبان أن تاوݣرات قالت فيه شعرا اعتبر ذلك مدحا على ما فيه من ظاهر الهجاء،فصار يعتز ويعتد بنفسه. فبلغ ذلك شاعرتنا الفحلة،فعادت لتلفحه شعرا هجايئا صريحا،فأنشدت:

            أي “موحا والرّيبان” ياقيْنٌ، أنت الذي لطّخت القبيل

            إذ فررت فرار الأرنب أمام السلوقيات

          ألزمْ الكُور،واصمت،ما أنت أهل إلا للمْس الفحم

3-   الشاعرة تاݣرات ولت عيسى : حال لسان مقاومي القبائل الرافضة للتهدئة :

بعد سنوات من احتلال الشاوية وكل القبائل المغربية عدا بعض جيوب المقاومة الأمازيغية ومنها قبيلة تاوݣرات ، وجدت الشاعرة نفسها وجها لوجه أمام الجنرال دوسطال الذي يقود جيشا نظاميا مزودا بمختلف الأسلحة الثقيلة والخفيفة والطائرات وكتائب من المرتزقة والݣوم والقبائل الخاضعة فضلا عن فيالق من السنغال والجزائر ومستعمرات فرنسية أخرى.خلال مواجهة قبائل آيت سخمان و يمهاوشن وآيت يحيى للجيش الفرنسي الجرّار الذي قاده الجنرال دوسطال كانت الشاعرة تاوݣرات السند المعنوي والصوت الشعري القوي الذي كان يرفع من معنويات المقاومين الأبطال ويحثهم على مواصلة الصمود والدفاع عن حوزة القبيلة والدود عنها من تدنيس أرومي الكافر.لقد وهبت موهبتها الشعرية فنسجت شعرا ملحميا حماسيا كان بمثابة الزاد  الروحي والسيكولوجي الذي جعل المقاومة تصمد إلى حدود14 شتنير1932 .في هذه الفترة لمع نجم شاعرتنا الفحلة وتحول شعرها إلى سلاح فتّاك يوقد الهمم ويحث على الجهاد ،مادحة المقاومين الأشاوش ووممجّدة الأبطال الشهداء، في مقابل هجائها هجائيا عنيفا الأعيان الإنبطاحيين والخونة وكل من يلبس لباس أرومي ويحيى نمط عيشه. وقد نال علي أمهاوش قسطا كبيرا من سخطها.

4-   تاوݣرات في عيون ضباط الاستعمار الفرنسي :

بعد أن اتخذت شاعرتنا من مقاومة الاحتلال الفرنسي عقيدتها وقضيتها الأولى،سينتبه الضباط الفرنسيون إلى خطورة هذه الشاعرة ودورها في إطالة عمر هذه المقاومة التي استنزفت المستعمر الفرنسي وأصبح موضع استهزاء بالنظر إلى اختلال موازين القوى بين الأطراف المتحاربة.إذ أدركوا أن شعر تاوݣرات الملحمي كان سلاحا فتّاكا لا يقل أهمية عن نيران البندقية.لذلك حالوا استمالتها مرات عديدة وإغرائها لكن رفضت ،بل إن الشاعرة أمطرتهم بوابل من الشتم والسب رافضة المساومة على الوطن.

  لفهم الشخصية الأمازيغية بشكل عام وشخصية شاعرتنا المقاومة استفرت سلطات الاستعمار ،كما هي عادتها، مختلف أجهزتها اللوجيستيكية والاستخباراتية مستعينة في ذلك على ضباطها المستمزغين لدراسة حالة تاوݣرات التي استعصت على العقلية الفرنسية.وفي هذا السياق سيقوم المستمزغ فرانصو رينيي Francois Reyniers  بجمع جزء من أشعارها التي خلقت متاعب للمستعمر الفرنسي،وألف كتابا خاصا عن تاوݣرات عنونه ب . « Taoughrat ou les berbes racontés eux même »  ولا شك أن المتأمل في شهادات فرانصو رينيي سيلاحظ-كما ذهب في ذلك العلامة محمد شفيق- الإحساس المزدوج والمتناقض لدى هذا الفرنسي الذي يكن الحقد والكراهية لشاعرتنا الضريرة،وفي نفس الوقت لا يخفي إعجابه بهذه الشاعرة التي يفتقد مثلها في الثقافة الأوربية إلى درجة يشبهها بطبقة شعراء اليونان الأوائل الذين اتخذهم هوميروس نموذجا له.لنسمع إلى شهادته في حق ولت عيسى التي قضت مضجع الجنرال دوسطار :

 ” لقد كانت عدوتنا “تاوݣرات”غير ما مرة،هي التي أحييت الحماسة والشجاعة في نفوس سكان “أغبالا”… وبمجرد ما دخل الفرنسيون “أغبالا”غادرته ” تاوݣرات ” والتجأت إلى تونفيت على العدوة الأخرى لوادي أورين…ولقد ظل نفوذها كبيرا هناك،حيث كان الناس يقدمون إليها الهدايا…إنها شاعرة من طبقة الشعراء اليونانيين الأوائل الذين أتخذهم هوميروس نموذجا له…معاني شعرها صعبة المنال لمن يريد ترجمتها،لما يتخللها من تلميح وتعريض…شعرها ملحمي تارة،وكأنه تعازيم،وغنائي تارة فيه رقة وحنان وطرب…وهو في بعض الأحيان شبيه بأقصيصنا الأسطورية القديمة،لم يتسم به من بداهة وما يتضمنه من تهكم وسخرية…كله شتم مقذع للنصارى ولأتباعهم من “مخازنية “و”ݣوم” ومجندي الحركة…ولكن ماذا يا ترى نؤاخذ به هؤلاء الأمازيغ؟ فلنستمع إليهم… ويتكرم بعد ذلك على الأمازيغ بذكر ما كان يراه فيهم من الخصال الحميدة التي يودّ لو أن الإنسان الأوروبي ظل يحافظ على مثلها  “

5-    تاوݣرات تسشتهد في معركة تازيزات التي أسالت أودية من الدماء ولم تسل سوى قليل من المداد

بعد  المعركة التي خاضتها شاعرتنا تاوݣرات ولت عيسى ضد الاستعمار الفرنسوي الغاشم والتي دامت أكثر من عقدين ونصف، رفضت خلالها مختلف وسائل الإغراء والترغيب والترهيب التي كان الاستعمارالفرنسي،فضلت شاعرتنا الاستشهاد في معركة تازيزاوت في 14 شتنبر 1932 إلى جانب مئات الشهداء. ملحمة تازيزاوت التي لم أسيلت فيها دماء كثيرة ولكنها لم تسل سوى مداد قليل، ولازالت تنتظر من الباحثين الاهتمام بها والتعريف بها أكاديميا، تكريما لروح شاعرتنا الأبية ولكل الشهداء الذين راحوا ضحية الجنرال دوسطار والآلة الاستعمارية الأمبريالية الغاشمة .

 

    الدكتورة  فائزة جمالي، باحثة في اللسانيات و السيميوجيا الأمازيغية.

رئيسة جمعية تاوݣرات لتمكين المرأة الأمازيغية.

مختبر SLASH

جامعة سيدي محمد بن عبد الله

Share
  • Link copied
المقال التالي