عبد الله الحيمر :
تقول المخرجة التونسية كوثر بن هنية إنها لم تصنع الفيلم لـ»إبكاء» الجمهور، بل لتقديم تجربة تلقٍّ مختلفة، بخطاب بصري يراهن على حساسية جديدة، ويقترب من «الاختلاف الصعب»، كأنه يفكّ شيفرة مسافة الصفر بين الشاشة والصوت/الحدث. ومن خلال براءة الطفولة في زمن الإبادة، تطرح بن هنية أمام المشاهد العالمي سؤال الوجود الإنساني في أقسى تجلّياته.
الطفلة “هند” تُحيل إلى طفولة الوعي الإنساني وهو يواجه سرديات الحروب، وكيف تُصاغ وتُروى وتُستهلك. والفن، في جوهره، خروجٌ على القواعد نحو مساحة أرحب لإعادة صياغة واقعٍ مشترك في المحنة والألم، وفي التعاطف والتضامن الإنساني. فالأطفال يبدون أقرب الجسور براءةً للتعبير عن هموم العالم: يعيشون لحظتهم بكثافة، ويملكون قدرة فطرية على الاندماج في الحياة رغم القسوة المحيطة. يتبدّل الزمن عندهم وفق حساسيتهم للمكان واللحظة؛ لا تفزعهم الوقائع بالطريقة ذاتها، ويظلون ممسكين بخيط الأمل، في حالة دائمة من الشغف والدهشة.
ومن قلب الزمن المفخّخ بالإبادة الجماعية في غزة، يخرج هذا الصوت: «تعالوا خذوني أمانة»… صرخة صغيرة هزّت العالم الحاضر/الغائب، وكشفت، كضوء مفاجئ، شمس الحقيقة في سماء الإبادة.
ومن هنا تحول الفيلم إلى عمل فني مقاوم يوثق صوت طفلة تحول إلى أيقونة للعدالة والكرامة الجماعية للشعب الفلسطيني بأكمله.. يعكس عالما من الرموز والإشارات الصوتية، وتحول إلى ذاكرة جماعية بكاميرا سينمائية معلقة في فضاء رمزي في غزة. تسجل ما لا يرى حيث تقول المخرجة: «أحيانا ما لا نراه يكون أشد وطأة مما نراه». فكانت المكالمة كفعل مقاومة ضد الموت والنسيان والغياب. فلم يكن طلب نجدة بقدر ما كان فعل مقاوم وسط خراب المفاهيم الإنسانية نحو الآخر بسردية الوجود والوجود، وبمثابة إعلان وجود أخلاقي في سردية الآخر الخائفة بالجغرافيا.
في رحلة هذا الانتظار القاتل على صيغة مسرحية «في انتظار غودو» تفتح المخرجة حقيبة وطن محاصر في أكبر سجن في العالم، وتخرج منه صوت أيقونة طفولية مسجل… يروي على انتظارنا بواقعية فنية تشريح صرخة استغاثة، لتفتح عيون العالم على أشياء معلقة بإنسانيتنا المؤجلة وبجرح غائر صامت يتفاعل مع ذائقة المتلقي الفنية ووعيه البصري. فيلم كوثر لا يتوقف على الإجابات، بل يكتفي باستخداماتها الوجودية المعلنة أو المضمرة.. الكوابيس والأحلام والرؤى لصرخة صوت بكل دراميته التفاعلية، في عالم اللامبالاة، وتعيد شحنه بكل تفاصيل الأحداث، المتراكمة بالبعد الرمزي والإيحائي للصوت. تنظر إلى العالم في هشاشة وحساسية من خلال زوايا الموضوع الحاضر/ الغائب بالصراع الأبدي للألم، بتوقف العودة إلى براءة البدايات الأولى للوعي الطفولي للضحايا، تقدم لنا بهذا التشريح السينمائي ترتيب ما تبعثر من صدى هذا الصوت وأوجاعه الممكنة، مع الإشارة إلى مكان غزة الحامل لكل اتفاقيات جدل القضية الفلسطينية. الذي نحبه ولا أحد يستطيع انتزاعه منا. والتساؤل في حد ذاته يبدو عاديا ومفاجئا، وهو إشاعة الانكسار والترويج له، ومن ثم الخضوع لنتائجه/ الواقع العربي المزري، فنشعر بالالتباس حتى اللذة بجغرافيا الدم المحيطة بنا.. في هذا السياق تبدو الحرية نتيجة هوامش متراكمة ومناورات ومخططات موازية. تقول المخرجة كوثر بن هنية: «أنا لا أقبل عالما يبكي فيه طفل. طلبا للمساعدة ولا أحد يتدخل في مواجهة هذا الانمحاء الاخلاقي في زمن الإبادةالجماعية
كوثر أبوهنية
فتحولت المادة الأرشيفية للصوت، كمادة سردية رمزية وجدانية إثر الغياب/ الحضور الفعلي للبطلة هند رجب. الشيء الذي جعل صوت كائن درامي بامتياز كما تقول المخرجة: «ولد الفيلم من التأثير العميق لنداء الاستغاثة الأخير الذي أطلقته هند قبل أن تقتل برصاص الجيش الإسرائيلي»، وأضافت: «هذا الفيلم مهم بالنسبة لي. حينما سمعت صوت هند لأول مرة، وكان هناك ما هو أعمق من مجرد صوتها، وكان صوت غزة تطلب المساعدة ولا أحد يستطيع المساعدة». واعتمدت المخرجة هنية على صوت هند في الفيلم، كما ورد في التسجيل الأصلي. بالأداء المتميز للممثلين الفلسطينيين: سجى الكيلاني (دور رنا) وعامر جليل (في دورعمر) وكلارا خوري (في دور نسرين) وعامر حليحل (بدور مهدي).
وقالت كوثر بن هنية في حوار سابق لمجلة «هوليوود ريبورت» إنها التزمت بدقة بما جرى في صناعة الفيلم وبالتسلسل الحقيقي للأصوات. تسجل اللحظات الأخيرة للأقارب داخل السيارة، ثم رسالة العم التي تكشف بقاء الطفلة على قيد الحياة. تليها نداءات «هند» المستمرة وصولا إلى المكالمة الأخيرة بطاقم الإسعاف للهلال الأحمر الفلسطيني، الذي كان في طريقه لإنقاذها. وأكدت المخرجة أنها سعت إلى الحفاظ على صدق التجر
بة مع الحد الأدنى من التدخل الفني.
في فيلمها تعيد المخرجة كوثر بن هنية تعريف دور السينما في زمن الإبادات الجماعية. لا تكتفي بالتوفيق، بل تخلق تجربة حسية ونفسية تجبر المشاهد السينمائي على مواجهة العجز الإنساني أمام آلة القتل الصهيونية.
من صرخة الاستغاثة إلى الأرشيف بالفيلم. المخرجة التونسية لا تقدم الطفلة الفلسطينية هند كشخصية فقط، بل كصوت مقاوم، وهذا ما أكدته بكلامها في مهرجان البندقية: «لا يمكن لسينما أن تعيد هند للحياة… ولكنها قادرة على حفظ صورتها.. لأن قصتها ليست لوحدها، بل هي قضية شعب بأكمله، يعاني من إبادة جماعية». الصوت بالفيلم ليس مجرد وسيلة لسرد، بل هو بطل الفيلم .. إنه الأثر الوحيد من بقايا صور الإبادة الجماعية في القرن الواحد والعشرين. الفيلم لا يكتفي بسرد وقائع مأساة هند، بل يطرح سؤالا أنطولوجيا في فلسفية الأخلاق المعولمة على شاشة السينما العالمية. وتجيب كوثر بن هنية ضمنيا قائلة: «لا بالطبع، لكنها تستطيع أن تذكر وبشرف ان تقاوم النسيان». الصوت في الفيلم يحلينا إلى نظرية دولوز في كتابه «السينما كفلسفة للزمن» الذي كان يرى أن السينما قادرة إنتاج حمولة ما سماه «الصور- الحدث»؛ صورة لا تمثل الواقع فقط، بل تعيد توزيع ما يُرى وما يُسمع، وتكسر أنماط الإدراك المألوفة. النظرية التي أكد فيها أن الصوت، خصوصا في السينما، يكشف الزمن كقوة تخلق وتشكل الوجود، ما يجعل السينما فلسفة للكشف عن الأبعاد الفكرية في أي فيلم سينمائي، أي ان الزمن الصوتي في فيلم «صوت هند رجب» عنصر فعال في حركة الزمن النفسي للبطلة، والمقومات الحسية تنحو حول توثيق الذاكرة الخصبة الفلسطينية في مواجهة انمحاء صهيوني في المكان والزمان. الشيء الذي يدفع بسينما كوثر بن هنية على أن تكون قادرة على خلق مفاهيم صوتية عميقة حول الإبادة الجماعية في غزة. فيما يرى وما يُسمع عنها، وتكسر حاجز الصوت بفرط استراتيجية تصيغ خطابات مغايرة للأنماط المألوفة للإدراك. كما يقول دولوز في كتابه «ترفق بالصورة البصرية الصوتية قوة هائلة، لا تعني الوعي الفكري فحسب، أو حتى الوعي الاجتماعي، بل قوى الحس الحيوي العميق». وهذا ما سعت له المخرجة التونسية من جعل صوت هند رجب في الفيلم يكشف عن زمن الإبادة الجماعية ليست مكملة للصورة الجماعية، بل هو في حد ذاته بحث جمالي في مقاومة زمن المسخ للمشاعر الانسانية، وجعلها الصوت كحداد لذاكرة النسيان قادر على حمل حمولة استحضار الحاضر الفلسطيني ابان الإبادة الجماعية، أو استدعاء المستقبل الفلسطيني. لأنه يظل حاضرا ضد النسيان والمحو من السجلات المدنية والكونية، كوثيقة زمنية تجعل المشاهد شاهدا على ذاكرة الحدث أكثر من الصورة نفسها.
صوت «هند» في الفيلم بالنهاية ليس فقط عن طفلة عادية في غزة، بل عن آلاف الأطفال الذين لم يسمع صوتهم وصرختهم في وجه شهود الصمت عالميا، وكذلك يفتح آفاقا جديدة للسينما العربية، لتكون أكثر جرأة في مواجهة القتل الممنهج للألة الصهيونية. ويؤكد للجميع في العالم، أن الفن بإمكانه أن يحمل فعلا سياسيا وإنسانيا معا. كما أصرّ عليه المخرج الفرنسي غودار: « إن السينما تكون سياسية ليس فقط بما ترويه، بل بكيفية ظهورها، وبالفضاء الذي تُعرض فيه، وبالموقف الذي تتخذه داخل هذا الفضاء»
باحث ومترجم مغربي

