صوفي بسيس.. عن خدعة اسمُها الحضارة اليهو-مسيحيّة…

وليد السويركي: 

شاع في العقود الأخيرة، في الخطاب السياسيّ والإعلاميّ   الغربي عموماً والفرنسيّ على وجه الخصوص، مصطلحٌ بدا لفرط استخدامه بدهيّاً ومسلّماً به، ألا وهو مصطلح “الحضارة اليهوديّة-المسيحيّة”. وصار يُستدعى بكثافة كلّما دار الكلام على “قيم الغرب” أو “هويّته”، لا سيّما في أدبيّات التيّارات اليمينية المتطرّفة في أوروبا وأميركا و”إسرائيل”، هذا مع غيابه التامّ في فضاءات مسيحيّة أُخرى مثل أميركا اللاتينيّة.

غير أنّ عدداً متزايداً من الباحثين يرى أنّ هذا المصطلح لا يعبّر عن حقيقة تاريخيّة بقدر ما يمثّل تلفيقاً أيديولوجيّاً حديثاً، وتلاعباً لغوياً يوَظَّف لإعادة تشكيل الهوية الغربيّة على أسس إقصائيّة ولخدمة أغراض سياسيّة معاصرة. ومن أبرز هؤلاء المؤرّخة الفرنسيّة من أصل يهوديّ تونسيّ صوفي بسيس التي خصّّصت كتابها “الحضارة اليهو-مسيحيّة، تشريحُ خدعة” (منشورات لي ليان كي ليبير، 2025) لتفكيك المصطلح نشأةً وأصولاً وتوظيفاً، وتشريح ما ينطوي عليه من تزييف.

سرديّة تُعيد للغرب “براءته”

تؤكّد بسيس أنّ المصطلح لم يحضر في الوعي الاوروبي إلّا في مرحلة متأخرة نسبيّاً، إذ كانت أوروبا تعرّف نفسها حتّى سبعينيّات القرن العشرين بوصفها وريثة الحضارة “اليونانية-اللاتينية”، وهو تعريف لم يكن بريئاً بدوره، وكان الغرض منه تكريس استثناءٍ حضاريّ أوروبيّ مزعوم، حيث “ما من إسهام لأقاليم أخرى، ولا لثقافات أو أديان أخرى في هذه السلالة الحصريّة”. وقد سبق للفيلسوف الأرجنتيني إنريكي دو سيل أن بيّن منذ تسعينيات القرن الماضي أنّ التسلسل الحضاري المزعوم ” اليونان-روما- أوروبا” ليس سوى بناء أيديولوجيّ صاغه الرومانسيّون الألمان في نهايات القرن الثامن عشر. 

تنفي بسيس أيّ وجود لـ “حضارة يهو-مسيحيّة” بالمعنى الذي يُروَّج له اليوم، مبرهنةً على أنّ العلاقة بين المسيحية واليهودية لم تكن يوماً علاقة تكامل أو تحالف، بل علاقة صراع وإقصاء كان اليهود فيها، على مدى قرون، عرضة لشّتى أنواع الاضطهاد والتنكيل والمذابح. وعليه، فإن تحوّل التاريخ الدمويّ إلى “أخوّة حضارية” لا يمكن قراءته إلّا بوصفه طمساً متعمّداً للتاريخ. فكيف جرى هذا التحوّل ومتى؟

حدث هذا التحول، وفقاً للمؤلّفة، بعد الحرب العالمية الثانية وما تكشّف خلالها من جرائم وفظائع نازيّةٍ ضدّ اليهود زعزعت الادّعاء الأوروبي بالتفوّق الأخلاقي والحضاريّ، وفرضت على الغرب البحث عن سرديّة جديدة تعيد له براءته المفقودة. وفي سبيل ترميم هذا التفوّق المزعوم انتهجت أوروبا استراتيجيّتين متكاملتين، تمثّلت أولاهما في دعم إقامة دولة “إسرائيل” والدفاع غير المشروط عن سياستها التوسّعية، بحيث “لا تكون إسرائيل وريثة الضحيّة فحسب، بل ضحيةً أبديّة كذلك؛ وبريئة براءة مطلقة لا تنتقل معها، وأيّاً كانت أفعالها، إلى معسكر الجلّادين. كان هذا هو الشرط الذي رأى الغرب أنّه يستطيع به التطهّر من جريمته”.

وبهذا الارتباط البنيويّ الجليّ بين مفهوم “الحضارة اليهو-مسيحية” والدفاع عن “إسرائيل”، لا تعود هذه الأخيرة مجرّد دولة، وإنّما تصبح شاهدا أخلاقيّاً دائماً على “تطهّر” الغرب من ماضيه. ويغدو كلّ نقد أو مساءلة لسياساتها تهديداً للذاكرة الحضاريّة الملفّقة أو عودة مقنّعة لمعاداة السامية. فيتحوّل المفهوم من توصيف ثقافيّ إلى أداة سياسية لإسكات النقد وتسويغ العنف.

تغذية مُضمَرة للإسلاموفوبيا

أما الاستراتيجية الثانية، فتمثّلت في بناء مفهوم اليهو-مسيحيّة وتعميمه ليغدوَ “أساس الحضارة الغربيّة”، وهو ما اقتضى عملية تزوير تاريخيّ من أجل إسدال الستار على ألفي عام من الكراهية والعنف ضدّ اليهود، ودمج اليهودية في الهوية الغربية، لا بوصفها ديانة مضطهَدة على أرض أوروبا المسيحية، بل عنصراً مكوّناً لتلك الحضارة وأحد أصولها المؤسِّسة. غير أنّ هذا البناء لم يكتمل إلا بإقصاء الإسلام؛ الطرف الثالث في الأديان التوحيدية، وإخراجه من أيّ إطار حضاريّ مشترك، في تجاهل واضح لعمق التداخل التاريخيّ والروحيّ بين الديانات الثلاث. 

صوفي بسيس -القسم الثقافي
صوفي بسيس في الصالون المغربي للكتاب، باريس، 2015 (ويكيميديا كومنز)

وتشدّد المؤلّفة على أن الأمر لا يتعلّق هنا بتفصيل لغوي، فالمصطلح ينطوي على حُمولة سياسيّة تجعل من الإسلام “الآخر الحضاري”، وتغذّي إسلاموفوبيا مُضمَرةً تعيد بدورها صياغة الصراعات الجيوسياسيّة في قالب دينيّ حضاري، يُقدَّم الغربُ فيه بوصفه كتلة متجانسة في مواجهة عالم لا ينسجم مع قِيمه، ويعُدّ المهاجرين المسلمين “عدوّاً داخليّاً” أو أتباع دين مستوردٍ عصيّ على الإدماج.

وترى بسيس أنّ توظيف هذا المفهوم قد ساهم، في المقابل، في محو تاريخ اليهود في العالم العربيّ الإسلاميّ. فاليهوديّة العربيّة، التي كانت جزءاً من نسيج ثقافي واجتماعي ممتدّ من بغداد إلى فاس، دُفنت بين خطابين متقابلين: غربيّ يحتكر اليهوديّة ضمن “اليهو-مسيحية”، وقوميّ عربيّ أو ديني تبنّى منطق الصدام الحضاري، وأقصى اليهود من ذاكرته الجمعيّة.

ولعل أطروحة بسيس تقدم تفسيراً منطقياً لسرّ تحوّل تيّارات يمينيّة فرنسيّة وأوروبيّة كانت تاريخيّاً معادية لليهود إلى أكثر القوى دعماً لـ”إسرائيل” ودفاعاً عن جرائمها، في تحالف خطير بين الصهيونية السياسية واليمين العنصري ضدّ “عدوّ مشترك”، حيث يُستدعى هذا المفهوم، من تل أبيب إلى باريس، من أجل تسويغ فكرة “صدام الحضارات”، أو “محاربة الإرهاب”، أو شرعنة حرب الإبادة على غزّة، وهو ما عبّر عنه نتينياهو صراحة، في مايو/ أيار 2024، حين خاطب الفرنسيّين قائلاً: “انتصارنا هو انتصاركم. إنه انتصار إسرائيل على معاداة الساميّة؛ انتصار الحضارة اليهو-مسيحية على الهمجية. إنّه انتصار فرنسا”. 

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ أطروحات بسيس تتقاطع مع مقولات المؤرخ الكندي اليهودي ياكوف رابكين، الذي يقدّم في كتابه “اليهودية، الإسلام والحداثات” (منشورات إي، 2022) مقاربة جريئةً ترفض رفضاً قاطعاً المماهاة بين اليهودية ديناً وبين الصهيونيّة بوصفها حركة سياسيّة نشأت في سياق أوروبيّ استعماريّ. يرفض رابكين اعتبار الصهيونيّة تعبيراً طبيعياً عن اليهوديّة، ويدحض فرضيّة وجود عداء بنيويّ بين اليهودية والإسلام، مُبيّناً أنّ المخاوف اليهودية المعاصرة من الإسلام قد صُنّعت سياسيّاً، ومذكّراً بتاريخ طويل من التعايش والتقارب الفكري، لا سيّما في مجالي العلم والفلسفة، فخصوصية الفلسفة اليهودية تبلورت، كما يرى، في فضاء إسلاميّ شرقيّ أكثر مما تشكّلت في السياق المسيحيّ الغربيّ. ولذا فإنّه يعارضُ بدوره مفهوم “الحضارة اليهو–مسيحيّة” ويعدّه تضليلاً أيديولوجياً.

إن الآثار الفكريّة والسياسيّة الخطيرة الناجمة عن هذا التضليل تجعل من تفكيك هذا المفهوم ونقده ضرورةً فكريّة وأخلاقية، قبل أن يكون درساً أكاديميّاً، وذلك في سبيل استعادة تاريخٍ أكثر تعقيداً، وهويةٍ إنسانيّة أقل إقصاءً، وقدرةٍ أكبر على تجنّب الوقوع في فخاخ “الحقائق الزائفة”؛ فالكلمات ليست بريئة، والتلاعب بالمفاهيم يمهّد غالباً الطريق إلى العنف، و”ما يبدأ بتلاعب لغويّ، قد ينتهي بقصف مدينة كاملة باسم الدفاع عن الحضارة”، كما تؤكّد بسيس.

Share
  • Link copied
المقال التالي