اقصاء الدراسات الأمازيغية من مباريات المراكز الجهوية: قراءة في قرار يعيد الثقة إلى نقطة الصفر.

محمد ايت خويا:

في ظل الحديث المستمر عن إدماج اللغة الأمازيغية في المنظومة التربوية، ومع ما رافق ذلك من خطابات رسمية تؤكد الالتزام بتفعيل طابعها الدستوري، تفاجأ الرأي العام بقرار إقصاء حملة الدراسات الأمازيغية من نتائج الانتقاء الأولي لولوج المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين. قرار أثار موجة واسعة من التساؤلات والاستنكار، باعتباره تراجعا بينا عن منطق الكفاءة والتخصص، وضربا لمصداقية مشروع النهوض بالأمازيغية داخل المدرسة المغربية.

إن هذا الحدث لم يعد مجرد تفصيل إداري عابر، بل أصبح قضية رأي تعبر عن خلل واضح بين الشعارات والسياسات الفعلية، وتدفعنا إلى إعادة طرح سؤال جوهري:
هل تسير منظومتنا التعليمية بالفعل نحو إنصاف اللغة الأمازيغية وأطرها المتخصصة؟

موقفي من قرار يعاكس المسار الإصلاحي

لا أخفي امتعاضي الشديد مما جرى. فقد كان المنتظر أن تكون مباريات توظيف أساتذة الأمازيغية فرصة لإبراز جهود سنوات طويلة من التكوين الجامعي، لكن النتيجة جاءت مخيبة ومحبطة لكل من يؤمن بأن الأمازيغية ركيزة أساسية في بناء هوية هذا الوطن.

كيف نعترف رسميا بالأمازيغية كلغة وطنية ثم نستبعد أصحاب التخصص من أهم بوابة للتدريس؟
وأي منطق يقبل أن يقصى المتخصص ليستقدم من هو بعيد عن علوم اللغة والثقافة الأمازيغيتين؟

هذا القرار يطرح أسئلة أكبر من مجرد مباراة توظيف:
إنه يعكس تناقضا خطيرا بين ما يعلن في المنابر وبين ما يمارس على أرض الواقع.الدراسات الأمازيغية تكوين علمي رصين لا بديل عنه

حملة الدراسات الأمازيغية ليسوأشخاصا قضوا سنواتهم في الترف الفكري، بل متخصصون درسوا:

اللسانيات الأمازيغية ونحوها وصرفها ونظام الكتابة تيفيناغ والأدب الأمازيغي: الشفهي والمكتوب والثقافة والتراث والأنثروبولوجيا و الديداكتيك والبيداغوجيا الخاصة بتعليم الأمازيغية. أفلا يحق لهم أن يكونوا في مقدمة الصفوف عند الحديث عن تدريس الأمازيغية؟ أم أن الشهادات تعترف بها فقط داخل المدرجات ثم تنكر عند أبواب التوظيف؟

تحية واجبة لأساتذة الجامعات المغربية

في خضم هذا الإحباط، يظل التقدير كبيرا لأساتذتنا الباحثين، وبالأخص أساتذة كلية الآداب والعلوم الإنسانية – سايس فاس، الذين شكلوا مدرسة علمية في التكوين والبحث، وأعطوا الكثير لهذا التخصص دون حسابات ضيقة.

لقد حملوا مشروع الأمازيغية كقضية هوية ومعرفة، وحلموا بأن يروا الطلبة في فصول المدارس يزرعون بذرة اللغة في الجيل الناشئ.
غير أن السياسات المتخبطة تحبط هذه الجهود وتهدر أعمارا من العمل الأكاديمي.

بين الخطاب والواقع: هوة تتسع

إن مسار تفعيل رسمية الأمازيغية لا يمكن أن يتحقق عبر سن القوانين فقط، بل عبر: توظيف المتخصصين الأكفاءو تمكينهم من فضاء المدرسة ودعم التكوين المستمرواحترام التخصص العلمي . وإلا ظلت الأمازيغية مشروعا معلقا وشعارا للاستهلاك الإعلامي دون أثر تربوي حقيقي.

خلاصة موقفي ، بإن ما حدث اليوم ليس مجرد إقصاء لخريجين، بل إقصاء لمستقبل لغة، وتكبيل لهوية وطنية يفترض أن تكون مصدر قوة ووحدة.

فموقفي واضح وصريح: فالأمازيغية تحتاج إلى أهلها والعلم يجب أن يكون معيار الانتقاء قبل أي اعتبار آخر ولا إصلاح تربوي حقيقي مع إقصاء التخصصات الأصيلةسأظل مؤمنا بأن مكان المتخصصين في الأمازيغية هو القسم، حيث تصنع الأجيال ويبنى الوطن.فمستقبل هذه اللغة لن يحفظ إلا بسواعد من درسها وآمن بها في مسار علمي صادق.

استاذ باحث في ديداكتيك اللغة الامازيغية

Share
  • Link copied
المقال التالي