نور حريري:
ليس من المبالغة القول إن مسألة التغيير الثقافي تمثل الموضوع الأبرز، الذي يشغل النقاشات اليوم. فقد انبثقت الثقافة انبثاقا لافتا في بلداننا، عقب قيام دولة الاستقلال، وكان ذلك نتيجةً لضغوط الواقع الاجتماعي التي دفعت إلى التغيير الثقافي. هكذا، أخذ مصطلح «ثقافة» يتكاثر في الكتابات والنقاشات، بالتزامن مع تحوّل ثقافي كبير في الغرب، حيث اتجهت النقاشات الغربية نحو التحليلات الثقافية، التي كانت في السابق مُستبعَدة أو مختَزَلة في مقاربات اقتصادوية.
إن هذا التوازي بين التوجهين الثقافي العربي والغربي، كان توازيا شكليا؛ فالتوجه العربي جاء استجابةً لضغوط اجتماعية وسياسية، بينما مثّل التوجه الغربي ثمرةَ مسارٍ تاريخي طويل من العمل الثقافي. لقد فرض الواقع الأوروبي، عبر فلسفاته وتطور حقوله المعرفية، الوصول إلى هذا المفهوم وبناء حقل معرفي خاص بدراسة الثقافة. في ظلّ هذا الاختلاف الجوهري بين التوجهين، برزت كتابات عربية عدّة تناولت الثقافة من زوايا مختلفة، من طه حسين إلى مالك بن نبي إلى إدوارد سعيد. وقد تباينت الاتجاهات بين تيارٍ ليبرالي يدعو إلى ثقافة الفردية، وتيار ماركسي يرى الثقافة من منظور ديالكتيكي، وتيارٍ آخر يبتعد عن كلا التوجهين لينادي بثقافة أصيلة عربية أو إسلامية.
كثيرا ما انطلق البحث العربي في تناول مفهوم الثقافة من دراسة الثقافة الغربية وتحوّلات الحداثة، من دون التوقف عند الشرط التاريخي لظهور هذا المفهوم، متجاهلا ما يسبق ظهور المفهوم، أي الذات، التي تمثّل البنية الثقافية التي تتحرك ضمنها هذه الثقافة. إن ظهور مفهوم الثقافة لم يكن ممكنا من دون المرور عبر فهم الذات من خلال الفلسفة، منذ بدايات الفكر الإنساني، الذي تبلور في الإطار اللاهوتي – الفلسفي للمسيحية، كما تجلّى لدى أوغسطين وترتليان وأنسلم وتوما الأكويني، والذي بلغ ذروته في فلسفات سبينوزا وكانط وهيغل وشيلنغ وفيخته وغيرهم.
بجهودٍ مضنية ودقيقة، قرأ الفلاسفة الذات الغربية، ما حدودها، ما البنية المنطقية والعقلية والحسّية التي تشتغل ضمنها، ما آلياتها الداخلية والخارجية. من خلال هذا الاشتغال الطويل على الذات، تبلور مفهوم الثقافة داخل بنية محدَّدة ذات طابع لاهوتي عميق، إذ وُلد الوعي الثقافي الغربي في رحم اللاهوت المسيحي، قبل أن يتعلمَن ويتحوّل إلى أنساقٍ فكرية وفلسفية حديثة. فمفاهيم مثل الفردية، الروح، الجوهر، الديالكتيك، الاختلاف، الحداثة والحَدَثْ ليست مفاهيم عامة، بل هي تعبير عن الديناميات التي شكّلت الذات الثقافية الغربية. إن الشرط الأساس لوجود التغيير الثقافي تمثَّل في تحديد الذات الغربية لذاتها؛ إذ كان ذلك التحديد بمنزلة الفعل المؤسِّس للتغيير الثقافي، الذي أسهم في ترجمة الذات الثقافية، إلى أشكالٍ سياسية ضمن جهازٍ رمزي داخل المؤسسات والدولة. لا تغيير ثقافي، ولا تحديد لهويةٍ ثقافية، من دون قراءةٍ في هذه الذات، حتى لو قامت تلك القراءة على التعميم والاختزال، وحتى لو طالها نقدٌ جذري في ما بعد.
هنا ندرك أن بنية الثقافة في الحداثة لم تُهدَم، بل أُعيدت ترجمتها وتجذّرت في وعي جديد. ويتجلّى ذلك بوضوح في مفهوم ”الحَدَثْ“ الذي شغل، ولا يزال يشغل، الفلاسفة منذ نيتشه وهيدغر ودولوز وصولًا إلى باديو وجیجك. كثيرٌ من الكتابات الحديثة، ومنها العربية، تتعامل مع الحَدَث بوصفه رمزًا للهدم، أو القطيعة البنيوية فترة الحداثة، وتتساءل: لماذا لا يقع «حَدَثٌ» في مجتمعاتنا يُبدّل بنيتها كما حدث في الغرب؟ غير أن هذا التصوّر يغفل أن «الحدث» في أصله الفلسفي الغربي لا يعني الانقطاع عن بنية الثقافة، بل الانقطاع داخلها، أي التحوّل الذي تعيد من خلاله الذات الثقافية تأسيس ذاتها من داخل بنيتها، لذلك لم تُهدَم الثقافة الغربية، بل تُرجِمَت في أشكال جديدة. الحَدَث السياسي الاجتماعي (الإصلاح اللوثري) هو ترجمة للحَدَث الخلاصي، الذي حول العلاقة بين الكنيسة والدولة إلى علاقة بين الدين والدولة، وجعل من الانقطاع إمكانا لولادة جديدة داخل البنية، ولذلك، يوسَم جهاز الثقافة اللاهوتي الغربي بأنه جهاز حَدَثيّ.
هذه البنية لا يمكن إسقاطها على ثقافاتٍ أخرى بحرفيتها، لكنها أيضا لا تُرفض تماما بوصفها غريبة، أو غير صالحة، لأنها غير نقية، ولا يُمكن استبدالها من خلال البحث عن ثقافة أصيلة تعود إلى أصلٍ قديم. وهنا، يبرز فعل الترجمة بوصفه ممارسةً نقدية تعترف بأهمية الجهاز المفهومي الغربي، الذي يحمل في حدّ ذاته بذورا غير غربية، كالرشدية اللاتينية والإشراقية السهروردية، وتتعامل معه بوصفه جهازا ثقافيا – نفسيا- سياسيا، يُمكّن من قراءة البُنى الثقافية الأخرى وفهم علاقاتها الضمنية.
ومن هنا، يصبح سؤال «لماذا لا تُهدَم الثقافة في مجتمعاتنا وتتحوّل جذريا كما حصل في الغرب؟»، سؤالًا مضلِّلًا، سواء جاء من جهة تُعرّف نفسها بالعلمانية، أو من أخرى تعكس السؤال وتُعرّف نفسها بالإسلام. ففي كل مرة تُستحضر فيها مفاهيم كالحرية، أو الديالكتيك، أو الحَدَث، يُتجاهل السؤال الجوهري: ما البنية الثقافية التي نتحرك داخلها؟ المثير للاستغراب أن فلاسفة الحَدَث كانوا يتحركون بوضوح داخل جهاز لاهوتي لا ينكرونه، من هيدغر إلى باديو إلى جيجك الذي يصرّح اليوم بأنه يساري محافظ، ويقصد بذلك أنه يساري داخل بنية لا يمكن هدمها.
لم تكلف المجتمعات العربية الحديثة نفسها عناء قراءة ثقافية جادة لذاتها أو للآخر، إذ تورَّطت جيلا بعد جيل، إما في النقل الحرفي عن الغرب، أو في الثنائية البغيضة «ثقافتنا مقابل ثقافتهم»، التي سيَّست بدورها الفعل الثقافي إلى حدِّ إنهاكه، وأضعفت الجدلية الحيوية، التي ينبغي أن تقوم بين السياسة والثقافة، وملأت الهوية الثقافية بمحتوى سياسي سلبي: من نقد الاستعمار إلى نقد الاستبداد، ومن نقد الإرهاب إلى نقد العلمانية والعروبة. في هذا المزاج السياسي ينتفي كل فعل ثقافي حقيقي. فماذا يعني أن نسأل سؤال التغيير الثقافي، حين يغيب الفعل الثقافي ذاته؟ أيّ تغيير يمكن أن يأتي من ثقافة لم تقرأ ذاتها مرة واحدة؟
قرأت الثقافات الأخرى البنى التي تتحرك داخلها، وأدركت دور الدين فيها كعنصرٍ ثقافي مؤسِّس. فالثقافة الغربية المسيحية مؤسَّسة على فعلٍ حدثيّ، عبّر عنه نيتشه بموت الإله، ويرجع إلى التقليد اللوثري وما قبله. أما الثقافة اليهودية فقد قرأت ذاتها من خلال القانون، لا من خلال الحَدَث؛ إذ ترتكز اليهودية على قانونٍ أعلى. ليس القانون في اليهودية مجرد منظومة تشريعات دينية، بل هو بنية مركزية لهوية اليهود التي ترتكز على أرض الميعاد، البنية التي تحفظ الذات اليهودية في مسار التغيّر الثقافي عبر الامتثال والتأويل، وعبر التاريخ والذاكرة.
أما في الثقافة الإسلامية، فقد كان فلاسفة الإسلام الأوائل أكثر جذرية ووعيا من مثقفي اليوم، رغم غياب مفهوم «الثقافة» لديهم كلفظ، إذ عرفوا أن البنية الثقافية لدينا تقوم على الكلمة، أي على النصّ. ومن هذا الإدراك انطلقوا في ابتكار أساليب خاصة لإحداث التغيير الثقافي، تتناسب مع الجهاز المفهومي والبنية الثقافية-السياسية التي نعيش فيها.
وهذا يؤكد أن قراءة الأدبيات الغربية، يمكن أن تكون أهم ما يفعله المثقف غير الغربي، إن كانت قراءته تاريخية، كما يمكن أن تكون أسوأ ما يصيبه. لقد غاب لفظ «ثقافة» عن لغة ابن خلدون وأدبيات العصرين الأموي والعباسي، بل لم يكن حاضرا حتى في أدبيات أثينا وروما، ومع ذلك لم يكن غيابه دليلاً على غياب الوعي به. فقد امتلكت دمشق وبغداد قدرةً على قراءة الذات. وفي حين نرى تكرارا عربيا لمصطلحات من قبيل الذات والثقافة والبنية، نكاد لا نجد تعريفا واحداً لهذه البنية، وهنا تكمن ضرورة الفلسفة والعمل الثقافي، الذي يقرأ الذات في علاقتها بالدين والسياسة والتاريخ.
عرف فلاسفة الإسلام الأوائل مثل، ابن رشد وابن خلدون وابن سينا، أن ثقافتنا نصّية، ولم يشكل ذلك عائقاً على التغيير، على الرغم من صعوبة الأوضاع التي عاشوا فيها، ومارسوا العمل الثقافي من دون تسميته، وابتكروا السرديات الجديدة والأساليب التأويلية وأحدثوا تحولات ثقافية كان لها أثرٌ واضح، لم تقم على الهَدم والخرْق والحَدَث، وقد شمل ذلك التأويل الفقهي والفلسفي للنصوص، وربط المعرفة العلمية بالدين، والتحليل الاجتماعي والتاريخي، ليكون التغيير الثقافي نتيجة تحويل في البنية الثقافية نفسها من الداخل.
أسوأ ما يمكن استنتاجه من هذه المقالة هو أننا بحاجة إلى تأويلٍ فقهيّ جديد، أو إلى دفن الرؤوس في الموروث، أو الاعتقاد بأن مفاهيم الغرب لا تصلح لنا. لسنا بحاجة إلى إعادة التأويل، أو النقل الحرفي، بل إلى الترجمة بوصفها فعلا سياسيا، نفسيا، بنيويا، بينثقافيا، يكشف اللانقاء، ويُدرك علاقات القوة التاريخية الكامنة بين البنية التي نعيش داخلها وتلك التي يعيش داخلها الآخر، ويتجاوز اللغة الإنشائية التي تتحدث عن «تبيئة المفاهيم»، فالترجمة ليست تكييفا للمفاهيم، بل هي فعل تغريب وتحويل وإزاحة، وهي لا تقلّ عن كونها عملا ثقافيا وسياسيا يُعيد تشكيل الذات والثقافة نفسها.

