جمالية التخييل الذاتي في أعمال المغربي صلادي

ترخي الحياة القصيرة، التي تجرع الفنان صلادي كؤوس مراراتها، بظلالها الداكنة على أغلب المقاربات اللاموضوعية التي حاولت بشكل أو بآخر، أن تفتح باب تفاعلها مع عوالمه التشكيلية. وهي في الواقع ظلال جد ثقيلة، لا تسمح بمعاينة الحد الأدنى من جمالية هذه العوالم. إذ حالما تشرع العين في التنقل بين فضاءات لوحاته، تكون حتما عرضة للاصطدام بمحكيات جاهزة تُحْبَكُ حول حياة «باثولوجية»، تستدعي الكثير من الرأفة والإشفاق، بمعنى أن الناظر هنا، سيكون معنيا بإسقاط مجموع ما ترسب في ذاكرته من المحن والمآسي التي كانت تتلذذ بنهش روح وعظام عباس صلادي، على امتداد المراحل الفنية التي اجتازتها تجربته، مؤكدا خلال ذلك، «كفايته النقدية»، في استنباط العناصر المحيلة على الفقر المدقع، الذي رافقه منذ ولادته بـ»ديور المساكين».
أيضا، سيحرص على التنويه بالوعي الفكري لدى الفنان، عبر استحضار مرجعياته الفلسفية، التي استقاها من انتمائه لشعبة الفلسفة في جامعة محمد الخامس في الرباط، قبل أن ينقطع عن دراسته الأكاديمية، كي يعود محبطا إلى مسقط رأسه في مراكش. حيث سيستسلم كليا لشراسة تلك الأحوال الدُّهانية التي ستفصله عن الحياة الواقعية، زاجة به داخل تلك العوالم الغرائبية المطلة عليك الآن من قلب لوحاته.
هذه القراءة نفسها، ستسهر على التنقيب في تفاصيل لوحاته عن أثر إقامته في سجن بولمهارز، كدليل قاطع على تشبعه برؤية نضالية، كان من الضروري أن يؤدي ثمنها كاملا غير منقوص من سنوات عمره المعدودة. وضمن لعبة الإسقاط هذه سهلة المنال، ستنتشي القراءة بتوظيفها لذلك المشهد المأساوي الذي أسند فيه عباس صلادي مهمة بيع لوحاته لوالدته وأخته، بساحة «جامع الفنا» دفعا لبَلِيَّة الفاقة وضيق ذات اليد. وسيكون من الطبيعي أن يتوج هذا الضرب من القراءة مشواره بالاحتفاء الاستثنائي، الذي أمست تحظى به تجربة هذا الفنان الكبير، مباشرة بعد رحيله، في عروض المزادات العلنية، الخاصة باللوحات الفنية ذات القيمة العالية والاستثنائية.
وإذا كانت هذه العوامل وغيرها كثير، تسعفنا إلى حد ما في الاستئناس بهوية وطبيعة البعد الإنساني والشخصي لدى الفنان، من خلال إضاءتها للمسارات المأساوية التي عانى منها، إلا أنها تتحول إلى عائق منهجي وحجاب معدني، حالما نعتمدها كأداة إجرائية لاستكناه المقومات البنيوية الفاعلة في صياغة الرؤية الفنية والجمالية. ذلك أن المقومات الفنية تشتغل حتما ضمن ملابسات واقع آخر مضاد، باعتبار أن الإواليات المفترض اعتمادها موضوعيا في تأويل العمل الفني، هي تلك المجسدة في ما هو معروض أمامك، وليس في ما تلح ذاكرتك على استحضاره من خارجه، خاصة حينما تتدخل الحيثيات السيرية في تضخيم هذا «الخارج» كي يصبح هو المبتدأ والخبر، الذي يستدرجنا لتقصي ما كابده الفنان من محن، بدل الاستمتاع بجمالية عوالمه.
وكما هو معلوم، فإن الأصل في طبيعة الإبداع، هو إيقاظ المتعة لدى المتلقي بما يتميز به من جماليات فنية، وليس تفجير الأعطاب السيكولوجية والمعيشية، التي راكمها المبدع في مساراته الحياتية. بمعنى أن حرص الفنان على الإقامة في قلب عوالمه التشكيلية، لن يتحقق عمليا إلا بقدرته على الانفلات من إكراهات اليومي، المشحونة بعنف نثريتها التي لا مجال فيها لأي ذائقة جمالية، ذلك أن الإبداع الحقيقي يتجسد في قدرته على إنتاج إبدالات مغايرة، لتلك التي لا يكف المعيش عن مطاردتنا بها، وذلك هو مصدر قوته وجدواه في حياتنا التي تغتني دلالاتها بما يضفيه عليها من دلالات محايثة، تكاد بشكل أو بآخر أن تستقل بخصوصيتها.


من هنا، سيكون على المتلقي أن يكون واعيا بجدوى الفصل بين أحوال تعاطفه الإنساني مع حياة الفنان، وأحوال تفاعله مع جماليات أعماله الفنية، تلافيا لأي تشويش من شأنه إلحاق الأذى بما تحفل به من أسرار وحقائق مغايرة لما هو شائع ومألوف، سواء تعلق الأمر بالمعيش الفني، أو الجمالي.
وضمن هذه القناعة، تطالعنا لوحات عباس صلادي وقد بدت مترعة بفتنة جاذبيتها، بفعل ما يعترينا من دهشة، ومن رغبة متلعثمة في الفهم والتأويل، إنها ماثلة الآن أمامك، وقد بدت محفوفة بترميزاتها العالية، وهي تمارس انزياحها التام عن لغات المعيش، وعدوانية اليومي. وهنا تحديدا، سيكون لنا أن نعيد قراءة وكتابة دلالة «الغرائبية» التي تسود أغلب المقاربات المهتمة بتجربة صلادي، وبمنهجية مغايرة تنأى بها عن الرؤية المبطنة بالألم، إلى أخرى مضادة تماما أو تكاد، قوامها الكشف الجمالي عما لم يسبق للرؤية أن عاينته، بما في ذلك العين المتمرسة بتفاعلها مع الرؤية الغرائبية الموغلة في انتهاكاتها التلقائية، أو المبيتة لأعراف النظر، وهي المنهجية التي تذكرنا جماليا وفكريا، بالحدود اللامتناهية لوجود أمكنة وأزمنة وحيوات ذلك المحتجب، المتربص بلحظة توافر واكتمال شرط انبجاسه وتجليه.
وفي اعتقادنا أن خصوصية المحتجب المندرجة في سجل التجربة الصلادية، تكمن أساسا في تنبيهنا إلى إمكانية وجود كون آخر نحن مطالبون بتفقد ما أمكن من ملامحه، كون تجنح فيه العناصر إلى هدم الحدود الفاصلة بينها، أو بالأحرى، تميل فيه العناصر ذاتها إلى تظهير تلك العلاقات الخفية القائمة بينها، كي تكشف للعين الرائية عن هويات عناصر متشابكة ومتماهية، عضويا ودلاليا، بما يشبه طقسا سحريا تحييه متعة تبادل الحلول. وهي الرؤية التي يمكن أن تتبدد على قاعدتها الدلالة الملتبسة لمقولة الغرائبي الملازمة لأعمال صلادي، إنها بهذا المعنى، عين مخيال مؤهلة لرؤية ما لا تراه العين، حيث تتماهى تشكيلات المُكَوِّن الطبيعي بالمكون البشري، كما بالمكون الحيواني، هكذا تأخذ الشجرة شكل جسد مُؤَنْسَنٍ بعيون بشرية تطيل تحديقها في بلاهتنا.
وهكذا يتقمص الجسد البشري شكل طاووس مستغرق في تهجده الوثني، وهكذا تتخلص أبعاد المكان من قدر شيئيتها، ومن رتابة هندستها الخرساء، وقد سرت في أعضائها غبطة إعادة التكوين، لتكشف عن سريان مِخْيال الفنان صلادي في مفاصلها المتكلسة، بما يتيح للمكان ذاته، وقد غدا حيا يرزق، إمكانية احتفائه بلعبة الحلول المتبادل، والقائمة بين العناصر المستسلمة تلقائيا لفتنة تناسخها في أشباهها، وفي أضدادها.
ثم ها هو ذا إيقاع المحفل يتنامى مسترسلا في تغريد تغريبته، متوزعا على خلوة اللوحات، حيث تتداخل أجساد الأعراس بأجساد الدفن، تداخُل مراسيم التجرد بطقوس التدثر، وحيث ما من شكل نهائي يمكن أن يغامر بلجم سمفونية إعادة الخلق والتكوين، تلك التي تستغرق فيها العناصر، وقد نأت عن سالف شكلها ووجودها.
وهكذا ومؤقتا، ستُطْبِق حالة من الصمت الغامض بين اللوحة وبين وجوم المشاهد. ونعني بها تلك الحالة القريبة الشبه بحبسة روحية تحط على شفاه العبارة. الحالة التي تحاول أن تؤول ما يراك، كي تكتفي العين بالتملي في شطحات، تتناوب على أسطرة أجسادها رعشات لون رصاصيٍّ مشفوعة بحبريات صلادية الإشارة، وأيضا بألوان مائية، تظل أبدا محتفظة بترنيم رقرقاتها، مهما احتشدت حولها صحارى الوقت.

Share
  • Link copied
المقال التالي