حسين داوود:
بلا أيّ ميل جنسي أو عاطفي، ولا رغبة، ولا حتى اهتمام بشيء ما بالشخص الآخر، حصل الزواج بين «يونغ هوو» وزوجها. تمّ ذلك بناء على مقارنة كل منهما نفسه بالآخر، ليجدا أن هذا ممكن طالما أن الفرص المتاحة لكل منهما غير متوافرة.. وهما، بناء على ذلك الاقتناع بقلّة ما حظيا به من عناصر جاذبة، عاشا في وفاق. فهي كانت تقوم بواجبها المنزلي كاملا، وهو كان ملتزما تماما بعمله الوظيفي. زوجان بلا ميزات من أي نوع، وليس ما يدعو إلى التذمرّ والحلم بشيء مختلف. لكن فجأة، وبما لا يتفق مع تكوينها، قالت «يونغ هوو» لزوجها إنها لم تعد تحبّ أكل اللحوم، بأنواعها كافة.
كان يمكن للصفحات الأولى من الرواية أن تكون مرحة، أو كوميديّة. لكن بعد ذلك، وبالتدريج، بدأت الكاتبة بإخراجنا من المصادمات بين الزوجين، مستدرجة إيانا إلى مرض المرأة النفسي، ذاك الذي يقوم عليه الفصلان الباقيان من الرواية.
في البداية «يونغ هوو» كانت لا تطيق أكل اللحوم فحسب، وحين أجبرها والدها على ذلك في عشاء عائلي، حاشرا بالقوة قطعة اللحم في فمها، تقيأت ثم غابت عن الوعي. كان ذلك دليلا على أن التحوّل إلى النباتية يتعدّى الخيار الفردي العادي، الصحي، بل هو دليل على مرض راحت تتواتر أعراضه.
كانت قد تطلّقت من زوجها حين دعاها زوج أختها الكبرى، المولع بالتصوير، إلى تصويرمشاهد كانت تظهر له في أحلامه: أجسام متداخلة تغطّيها رسومات لأزهار متعدّدة الألوان. وحين راحت تراود خيالاته وحمةٌ زرقاء بين ردفَي «يونغ هوو» كانت وصفتْها له زوجته، تضاعف هوسه بذلك الجسد المحرّم عليه، تبعا لتقاليد اجتماعية مغرقة في القِدم. جسد «يونغ هوو» النحيل بلا ميزة جمالية، كما وصفه زوجها في فصل الرواية الأوّل، تحوّل في منتصف الرواية، إلى أن يكون ممتلئا بالإثارة، لكن الروائية هان كانغ استطاعت أن تجد للإثارة مكامن غير عادية ولا ظاهرة إلا لمن يلاحق هوسا ما. وقد أفضى العمل التصويري الذي قاما به إلى أن مارسا الجنس وهما مغطّيان بألوان الرسوم على كامل جسديهما. في الصباح دخلت الأخت الكبرى حاملة لأختها طعاما أعدّته، فوجدتهما عاريين كل منهما في مكان من تلك الشقّة الصغيرة.
خطر لزوج الأخت (وكان مترجم الرواية قد أشار في أحد الهوامش إلى اللغة التي تختصّ بالكلام على القرابة في كوريا، فيقول المتكلّم مثلا: يا شقيقة زوجتي الكبرى شي يانغ، أو يا والد زوجتي فلان، هكذا كأنه يعيّن علاقته بمن يكلّمه أو يكلمها، رغم أن لا حاجة لذلك في لغات أخرى في العالم). خطر لزوج الأخت إذن أن يرمي بنفسه من النافذة، لكن ذلك لم يكن إلا خاطرة عبرت في رأسه، أو في رأس الكاتبة، ذاك لأن الرواية، إن حدث ذلك، ستحيد عن مرض بطلتها وتسلك مسلكا آخر. أما هنا، فقد أصرّت الكاتبة على متابعة تحوّلات بطلتها فنحّت جانبا الشريكَ في تلك الفعلة، مزيحة إيّاه من مجريات الرواية كلّيا، وأَدخلت «يونغ هوو» إلى مستشفى الأمراض العقلية، بل إلى جناح الأمراض المستعصية فيها. هناك، في غرفتها، لا تأكل «يونغ هوو» ولا تتكلم. وقد بات جسدها نحيلا إلى حدّ أن مريضةً أخرى كُلّفت برعايتها كانت تحملها كما يُحمل طفل. حتى الإطعام بالأنابيب كانت تقيئه. في الفصل الأخير من الرواية، وهو يجري كلّه على لسان شقيقتها الكبرى، تذهب بنا الكاتبة إلى القيعان المعتمة العميقة التي لا تفتأ «يونغ هوو» تنحدر إليها، جسدا وروحا. بلغ بها ذلك حدّ أن صارت، بجسمها العاري، تقف مستندة إلى كتفيها ورأسها، فيما رجلاها مرتفعتان إلى الأعلى. «هكذا هي الشجرة» قالت لشقيقتها التي أدركت أن «يونغ هوو» باتت تتخيّل أنها شجرة تستمد غذاءها من الأرض وفروعها منتشرة في الأعلى، حيث الريح.
في زيارتها تلك، فيما هي تصف كل ما تقع عليه عيناها من تحوّلات «يونغ هوو» كانت الشقيقة الكبرى تصف أيضا ما تشاهده من جنون الأخريات المقيمات في تلك المستشفى، وتصف كذلك المستشفى نفسها وما يحيط بها من حدائق يتجوّل فيها المرضى حين يُسمح لهم بذلك. كذلك تروي تلك الشقيقة تاريخ العائلة وكيف كانت شقيقتها تتلقّى الصفعات العنيفة من والدها دون أن تظهر أي ردّ فعل على ذلك. لم تكن الكبرى تسعى إلى إرجاع جنون اختها إلى ذلك السبب، بل لتقول إنه واحد من مراحل عذاباتها. ببراعة فائقة صاغ معلّق في «نيويورك تايمز» قدرة الكاتبة النادرة على متابعة أعراض التدمير عند تلك المرأة. كتّاب آخرون، في صحف أخرى، توقّفوا عند الحفر العميق في جوانب الظلام داخل النفس البشرية. مجلة «التايمز» كتبت أن قوة الرواية تكمن في همجيتها وضراوتها. وإذ عمد بعضهم إلى أن رواية «المسخ» وأعمال أخرى لكافكا تكمن في هذا النص، فليس ذلك إلا من قبيل إرجاع رواية «النباتية» إلى سابق أدبي ما. ثم إن التحولات التي تجري على مسخ كافكا لا تتوقّف عن الفكاهة، وإن سوداء كالحة، فيما رواية مان كانغ تمعن في إيصالنا إلى الحدود الأخيرة للألم.
رواية «النباتية» للكورية هان كانغ نقلها إلى العربية (من لغتها الأصلية) محمود عبد الغفّار عن دار التنوير، صدرت في 223 صفحة سنة 2019.
كاتب لبناني

