بوجمعة لخضر ساحر البر ونورس البحر المطل على الأساطير..

المحرر الثقافي : 

دع بوجمعة لخضر (1940 – 1989) عجائبياته التشكيلية المفارقة للواقع، لكنه لم يبتعد عن الأشكال والرموز المغربية والأفريقية التي يستقيها من الزرابي والأوشام والحلي ونقوش الخزف والنقوش الصخرية، محولا إياها إلى علامات بصرية، علامات سيميائية مليئة بالدلالات القابلة للتأويل بطرق شتى.

 وتتحد منحوتاته ولوحاته مع الفن الغرائبي الذي يضفي على المنجز لمسة سحرية، تجعله مشبعا بالأرواح الخفية، أرواح تسكن المتلقي حال النظر إليها. وهو ما يتراء إلى أبصارنا ونحن نتأمل تلك الكائنات العجيبة التي تعزف على آلات موسيقية محلية، أو تلك التي تتداخل في ما بينها داخل فضاء من الطلاسم، مما يجعل منجزاته تكتسي طابعا بدائيا، حيث يحول تلك الكائنات رموزا ليبسط سطوته عليها، ويسخرها خدمة لرؤاه الفنية.

نورس الفن المعاصر:

يتبع لخضر إيقاعات ذاتية، مؤولا لكل ما رآه، ولكل ما راكمه من معارف متعلقة بالأسطوري والعجائبي المغربي والأفريقي، مبتدعا كونا تشكيليا تسبح فيه شخوصه وتتشابك فيه رموزه، صانعا بذلك أيقونات بصرية معاصرة، مدعاة للمتعة وذريعة لإعادة مساءلة العالم من خلال الكشف عن الغرائبي فيه. إنه يدعونا إلى إعادة رؤية المرئي من خلال اللا مرئي.

ساهمت مدينة الصويرة بكل ما تكتنزه من عوالم سحرية في إشباع موهبة بوجمعة لخضر بالدهشة، مما يجعل عمله طرحا فلسفيا تجاه العالم والذات، مستعملا الرموز كمعادلات تسعى لتحليله وتفكيكه، لكنه لا يتبع أي مباشرة، ولا يتغيا أي كشف.

ورغم التأثر بالحرف والصناعة الديكوراتية، إذ “تشتهر مدينة الصويرة بصناعة الخشب، فهي تنتج كما كبيرا من المنتوجات التي تتطلب مهارات حرفية وفنية عالية، وقد تعلم لخضر مدير متحف الفن التقليدي بالمدينة هذه التقنيات وبرع فيها، وبات يبدع تحفا فنية خالصة تنأى عن الاستعمال اليومي”، فقد عمد الفنان إلى إحداث قطيعة بين الطابع الحرفي والمسعى الفني، رغم الطابع المعاصر الذي يكتسي تحفه، حيث إن الأول يرنو إلى الاشتغال على منجزاته في قطع متسلسلة ومتشابهة خاضعة لقانون الطلب والعرض، وأما الفنان فيبدع أعمالا فريدة صعبة الإعادة، ويبتعد أيضا عن التزيين، حيث إن أعماله قابلة للنقل والعرض.

يدمج بوجمعة لخضر الآدمي مع الحيواني، والرمزي مع العلاماتي، والأسطوري مع الواقعي، في دينامية إبداعية تتبع منهجية خيالية تكسر كل آفاق الانتظار، لأنها نتاج لا المتوقع والسحري. فيجعلنا ننظر إلى ذواتنا من خلال تركيبات صادمة، ويجعلنا نعيد مساءلة الواقع من خلال كل ذلك الغموض الذي يكتسي منجزه.

لهذا يأتي كتاب “بوجمعة لخضر.. نورس الفن المعاصر بالمغرب”، بتنسيق وتقديم من الباحث حسن لغدش، (2022)، بشقيه العربي والفرنسي، ليلامس عوالم هذا “الساحر”. حيث تناولت أقلام نقدية مختلف أوجه الاشتغال الفني في تجربة هذا “النورس الصويري”. وكم نحن اليوم في أمس الحاجة إلى مثل هذه الكتب النقدية والتعريفية للتأريخ لتجاربنا الفنية بالمغرب.

الصويرة المهد والمدرسة:

يتفق كل النقاد والباحثين المغاربة على أن مدينة الصويرة، بطابعها السحري، تعد مدينة الفن بامتياز، مدينة ضاجة بالفنانين العصاميين الذين اختاروا التعبير عن ذواتهم بروح عفوية لا تصطنع شيئا ولا تقليد ولا محاكاة فيها. وإنها المدينة المهد لمجموعة من الفنانين، وبوجمعة لخضر واحد من أعلامها المعاصرين.

تجد المدينة لاسمها جذرا فنيا، “الصويرة تصغير للصورة”، إذ يخبرنا الناقد حسن لغدش، في مطلع الكتاب، بأنه في سنة 1776، وبموجب قرار سیاسي تحولت “موغادور”، بالنسبة للناطقین بالعربیة فقط، إلى “سویرة” أي تصغیر لكلمة “سور”، وربما كان لا بد من نسج أسطورة الصورة الصغیرة التي اشتهرت بها المدینة: ربما كانت الصویرة كلمة مشتقة من “صورة”. یفترض أنه عند بناء المدینة عُرضت على السلطان صورة صغیرة، مما قد یدل على أن المدینة كانت أول مدینة مغربیة، مند عهد الرومان، كان لها تصمیم حضري سابق على تنفیذ بنائها.

بالتالي، لا تخلو قصص الصويرة تاريخيا وحضاريا وفنيا من الأسطرة، لكل أسطورته يرويها عن هذه المدينة الفنية التي تطل على الأطلسي، هذا المحيط الذي ظل عصيا بكل ما حمله من قصص عن كائناته التي تسكن الظلمات، كائنات عجيبة وغريبة وموحشة تلتهم السفن ومن عليها. وللبحر علاقة وطيدة مع بوجمعة لخضر، حيث نقف إزاء تصاوير وإحالات متعددة عليه، ولنتأمل لوحته الأخيرة (زيت على قماش، 1989) التي تجسد طائر البحر الأسطوري – الحقيقي، ذلك النور العملاق الذي يحمل في بطنه حوتا ملتهما سمكة، بينما تغير جناحاه إلى جناحي طاووس، وهو يحمل في منقاره “شمسي العلامات والرموز السحرية”.

مدينة الصويرة الساحلية، مدينة العصاميين الذين وهبوا أرواحهم للمحيط والفن، وبوجمعة لخضر بدوره عصامي، قد أنجز أعمالا، إذ يؤكد لغدش، تتأسس حول حركة الروح وعلى خطى نيتشه، دافع عن الفكرة التي تقول “لدينا الفن لكي لا نموت جراء الحقيقة” (ص. 15). لهذا يتبع هذا الفنان مسالك الأسطورة لينحت الحقيقة من أوجه مختلفة.

الخيالي والألوهي:

الاستفادة من الحرف التقليدية
الاستفادة من الحرف التقليدية

على امتداد صفحات الكتاب، (158 صفحة)، تناولت أقلام نقدية وفنية وباحثة، التجربة الفنية لبوجمعة الخضر، من مختلف الجوانب والأبعاد، باللغتين العربية والفرنسية، متفقة على “الهالة” التي تتلبس منجزاته، والتي تهدف إلى العمل في المستوى الذهني، وعلى الأفكار التي تعد ثمارا لها، متضمنة للقيم الميتافيزيقية. كما يخبرنا دانييل كوتوريه (ص 15/ الشق الفرنسي)، في نصه التحليلي.

بالإضافة إلى هذا البعد الميتافيزيقي، فأعمال لخضر تغدو آثارا أنثروبولوجية وإثنولوجية، على “اعتبار أن العمل الفني هو مصغر للكون، نموذج أو إشارة لعالم ينظر إليه من خلفية فهم كلي”. ويتجلى البعد الأنثروبولوجي أيضا، من خلال ذلك “الشطح” أو “التجلي” الذي يدخل فيه لخضر خلال عملية الإبداع، نوع من “الحال” بالتعبير المغربي، أو بتعبير آخر “لبوس فني”. فهذه الحاجة الداخلية إلى الحديث عن العالم والتواصل مع اللا مرئي تمر بالضرورة من خلال حالة النشوة هذه التي نسميها هنا “الحال”، يخبرنا محمد بن الصغير، وهي بحث صوفي عن الألوهية، المنقولة في نقاء الأشكال (ص 33/ الشق الفرنسي).

ولأنه لا يكتمل البحث الصوفي عن الألوهية، دونما التقرب من الله، والسعي إلى الاتحاد مع صفاته التي تعتري الكون، كما يرى الصوفية، أو كما يرى أندري مالرو، أن كل عمل فني عظيم ينتج عن الدين ويعبر عن رؤية للعالم مماثلة للدين وموازية له، وخاصة الأعمال ذات النزعة البدائية primitivisme وهذا ما نلمسه في لوحة “الصويرة”، التي رسمها في سبعينات القرن الماضي.

Share
  • Link copied
المقال التالي