سامية الكربة_ الصويرة
تشكل الفوتوغرافيا حسب، سوزان سونتاج، مثل أي شكل فني، طقسا اجتماعيا، وحصانة ضد القلق، وأداة للقوة. لأنها تعكس وضعا حياتيا ووجوديا بامتياز. خاصة إذا ارتهنت بوجوه وشخصيات ووقائع. فلم تنأى الفوتوغرافيا المعاصرة عن واقعها مهما أعلت من شأو التجريد والإيحاء، إلا أنها تبني واقعا ضوئيا غير قابل للتحول والتبدل.
يأتي هذا التحديد، فيما تبدى من خلال موضوعات الصور الفوتوغرافية للفنان المغربي حسين بلدي، إذ تحمل كل صورة امتدادها الدلالي واختزالها الحدثي من خلال تمثل واقع ووضع الإنسان بجنسيه وبمراحله الحياتية.
تجربة تختزل صور الطفولة، ووجوه الشخصيات بواقع أقرب إلى دلالة التهميش للبحث عن أشياء مفقودة في هذا الواقع الذي ينساق عبر الصورة وعبر سياقات وجودية مختلفة.
تبدو فتوغرافية حسين بلدي منخرطة في واقعها إلى حد الانعكاس الصارخ لليتم والوحدة والبساطة المقلقة، والصرخة الفردية. وأيضا فيما تتمثله من وضعيات وجودية تؤثر في الرائي وتشعره بآثار الإنسان الضاربة في عمق الزمن و التاريخ والواقع.
فالصور المقترحة والمنجزة تبني أفقها البصري والضوئي من خلال ثنائية لونية (الأبيض والأسود) وتعلي من قيمة اللحظة المنفلتة والعابرة، كما نسجل البنية المعمارية المؤشر عليها من خلال تفاصيل المدينة، وبعض التشكيلات التجريدية والعفوية للمشاهد الأحادية أو المونوسكيبس التي يتبناها الفنان حسين بلدي لتمنحنا مساحة السرد البصري، و حيزا فلسفيا عميقا يعبر عن مواضيع اشتغاله و واسترفاده للثنائيات الدالة: كالظلمة والنور، العقل والجسد، الطفولة والشيخوخة، السواد والبياض، كل هذه التمثلات البصرية الضوئية تظهر لك للوهلة الأولى أنها متضادة، ولكنها السياق الرؤيوي يخلق لها بعدا منسجما مع وظيفتها كما في الواقع.
فالصورة الضوئية للمشاهد تجعل الفنان إنسانا فضوليا يبحث عن بناء علاقات بصرية حية مستأصلة من واقع هو أقرب إلى بنية علامية دالة عن أسرار المدينة ولحظاتها العابرة وتفاصيل أنشطة سكانها البسطاء. كما نسجل كون التجريد والعفوية هو من بوأ الصورة الفوتوغرافية عند حسين بلدي تألقها رغم تقشفها الديكوري.
هكذا يمكن القول، إن لوحات الفنان تخلق ألقها الدلالي من موضوعات واقعية ذات أبعاد محددة، ومقاسات منسجمة، تتسم بخرق نظام وجودي بسيط وبعثه ضوئيا ودلاليا وأيقونيا وجماليا. تؤسس هذه الصور حوارا فلسفيا وجوديا بين الأبيض والأسود، وهو حوار أزلي، ولكن أن يتم التفكير فيه واستدعائه راهنيا، الشيء الذي سيخلق بنية بصرية تبني عمقها من الاقتصاد اللوني ولكنها تفسح المجال للعمق الدلالي.
يتدرج الأبيض والأسود ويندمجان في كنف الرمادي من خلال خلق تفاعل بسيط مع النتوءات البادية عبر الأسطح المختلفة لزوايا سقوطه، وتلبسه بالأشياء والجسد. ونشير إلى كون الصورة الفتوغرافية في لوحات حسين بلدي تمثل أداة تعبيرية لها وظيفة تواصلية و اتصالية مع الغير كيفما كان، فهي تنتظم ضوئيا وتمثيليا بوسيط تشكيلي ورؤيوي ومعرفي، لتعيد تشكيل الواقع وفق شروط أخرى خبرها الفنان في مشغله التشكيلي المليء بأشكال التجريب الفني المعاصر.


